زاد المعاد

بالكَيْس، فإذا غلبك١ أمرٌ فقل: حسبي الله ونعم الوكيل»٢. فهذا قال «حسبي الله ونعم الوكيل» بعد عجزه عن الكَيْس، الذي لو قام به لقُضِي له على خصمه، فلو فعل الأسباب التي يكون بها كيِّسًا ثمَّ غُلِب فقال: «حسبي الله ونعم الوكيل» لكانت الكلمة قد وقعت موقعَها، كما أنَّ إبراهيم الخليل لمَّا فعل الأسباب المأمور بها، ولم يَعجِزْ بتركها ولا تَرْكِ شيءٍ منها، ثمَّ غلبه عدوُّه وألقوه في النَّار= قال في تلك الحال: «حسبي الله ونعم الوكيل»٣، فوقعت الكلمة موقعها، واستقرَّت في نصابِها٤، فأثَّرت أثرَها، وترتَّب عليها مقتضاها.

وكذلك رسول الله ﷺ وأصحابه يومَ أحدٍ، لمَّا قيل لهم بعد انصرافهم من أحدٍ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، فتجهَّزوا وخرجوا للقاء العدوّ، وأعطَوهم الكَيْسَ من نفوسهم، ثمَّ قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]٥، فأثَّرت الكلمة أثرَها، واقتضت مُوجَبَها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ

  1. (١) ك: «غلب».
  2. (٢) رواه أحمد (٢٣٩٨٣) وأبو داود (٣٦٢٧) والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٣٨٧) من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁. وفي إسناده عنعنة بقية بن الوليد، وجهالة سيف الشامي، فإنَّ النسائي قال: «لا أعرفه».
  3. (٣) رواه البخاري (٤٥٦٤) من حديث ابن عباس ﵁.
  4. (٤) كذا في ق، ب، مب. والنصاب: الأصل والمرجع، يقال: رجع الأمر إلى نصابه. وفي ج، ص، ك: «مضانها». وفي المطبوع: «مظانها». وكلاهما تحريف.
  5. (٥) رواه البخاري (٤٥٦٣) من حديث ابن عباس ﵁.
432

يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، فجعل التَّوكُّل بعد التَّقوى التي هي قيامٌ بالأسباب المأمور بها، فحينئذٍ إذا توكَّل على اللَّه فهو حسبه١، وكما قال في موضعٍ آخر: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]، فالتَّوكُّل والحَسْب بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجزٌ محضٌ، وإن كان مَشُوبًا بنوعٍ من توكُّلٍ فهو توكُّل عجزٍ، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكُّله عجزًا، ولا يجعل عجزه توكُّلًا، بل يجعل توكُّلَه من جملة الأسباب المأمور بها التي لا يتمُّ المقصود إلا بها كلِّها.

ومن هاهنا غَلِطَ طائفتان من النَّاس:

إحداهما: زعمت أنَّ التَّوكُّل وحده سببٌ مستقلٌّ كافٍ في حصول المراد، فعَطَّلت له الأسبابَ الَّتي اقتضتْها حكمة الله مُوصِلةً إلى مسبَّباتها، فوقعوا في نوع تفريطٍ وعجزٍ بحسب ما عطَّلوا من الأسباب، وضَعُفَ توكُّلُهم من حيث ظنُّوا قوَّته بانفراده عن الأسباب، فجمعوا الهمَّ كلَّه وصيَّروه همًّا واحدًا. وهذا وإن كان فيه قوَّةٌ من هذا الوجه، ففيه ضَعفٌ من جهةٍ أخرى، فلما قوي جانبُ التَّوكُّل بإفراده أضعفَه التَّفريطُ في السَّبب الذي هو محلُّ التَّوكُّل، فإنَّ التَّوكُّل محلُّه الأسباب، وكماله بالتَّوكُّل على الله فيها، وهذا كتوكُّل الحَرَّاث الذي شَقَّ الأرض، وألقى فيها البذر، وتوكَّلَ على الله في زرعه وإنباتِه، فهذا قد أعطى التَّوكُّل حقَّه، ولم يُضعِف توكُّلَه بتعطيل الأرض وتخليتها بُوْرًا. وكذلك توكُّل المسافر في قطع المسافة مع جِدِّه في السَّير،

  1. (١) «فجعل التوكل ... حسبه» ليست في ق، ب، مب. وكتبت في ص ثم شطب عليها. والمثبت من بقية النسخ.
433

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي