وتوكُّل الأكياس في النَّجاة من عذاب اللَّه والفوز بثوابه، مع اجتهادهم في طاعته، فهذا التَّوكُّل الذي يترتَّب عليه أثره، ويكون الله حَسْبَ من قام به. وأمَّا توكُّل العجز والتَّفريط فلا يترتَّب عليه أثره، وليس الله حَسْبَ صاحبه، فإنَّ الله إنَّما يكون حسب المتوكِّل عليه إذا اتَّقاه، وتقواه فِعلُ الأسباب المأمور بها، لا إضاعتُها.
والطَّائفة الثَّانية: الَّتي قامت بالأسباب، ورأت ارتباطَ المسبَّبات بها شرعًا وقدرًا، وأعرضت عن جانب التَّوكُّل١. وهذه الطَّائفة وإن نالت بما فعلتْه من الأسباب ما نالتْه، فليس لها قوَّةُ أصحاب التَّوكُّل، ولا عونُ الله لهم، وكفايته٢ إيَّاهم، ودفاعه عنهم، بل هي مخذولةٌ عاجزةٌ، بحسب ما فاتها من التَّوكُّل.
فالقوَّة كلُّ القوَّة في التَّوكُّل على اللَّه، كما قال بعض السَّلف٣: من سرَّه أن يكون أقوى النَّاس فليتوكَّل على اللَّه٤. فالقوَّة مضمونةٌ للمتوكِّل والكفايةُ والحَسْب والدَّفع عنه، وإنَّما ينقُص عليه من ذلك بقدر ما نقص من التَّقوى والتَّوكُّل، وإلَّا فمع تحقُّقِه٥ بهما لا بدَّ أن يجعل الله له مخرجًا من
(١) ج: «المتوكل».
(٢) ك: «ولا كفايته».
(٣) رُوي مرفوعًا من حديث ابن عباس، رواه ابن أبي الدنيا في «التوكل على الله» (٩) و«مكارم الأخلاق» (٥). وهو ضعيف جدًّا كما في «السلسلة الضعيفة» (٤٦٠٢). ولذا نسبه المؤلف لبعض السلف، ولم يجعله حديثًا مرفوعًا.
(٤) «كما قال بعض السلف ... على الله» ليست في ك.
(٥) ص: «تحقيقه».
كلِّ ما ضاق على النَّاس، ويكون الله حَسْبَه وكافِيَه.
والمقصود أنَّ النبيَّ ﷺ أرشد العبد إلى ما فيه غاية كماله ونَيلُ مطلوبه، أن يَحرِص على ما ينفعه، ويبذل فيه جهده، وحينئذٍ ينفعه التَّحسُّب وقولُ «حسبي الله ونعم الوكيل»، بخلاف مَن عَجَزَ وفرَّط، حتَّى فاتته مصلحته، ثمَّ قال «حسبي الله ونعم الوكيل»١، فإنَّ الله يلومه، ولا يكون في هذا الحال حَسْبَه، فإنه إنما هو حَسْبُ من اتَّقاه ثمَّ توكَّل عليه.
فصل
في هديه ﷺ في الذِّكر
كان النبيُّ ﷺ أكملَ الخلق ذكرًا لله ﷿، بل كان كلامه كلُّه في ذكر الله وما والاه، وكان أمرُه ونهيه وتشريعه للأمَّة ذكرًا منه للَّه، وإخبارُه عن أسماء الرَّبِّ وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرًا منه له، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيدُه وتحميده وتسبيحُه ذكرًا منه له، وسؤالُه ودعاؤه إيَّاه رغبةً ورهبةً ذكرًا٢ منه له، وسكوتُه وصَمْته ذكرًا٣ منه له٤ بقلبه، فكان ذاكرًا لله في كلِّ أحيانه، وعلى جميع أحواله، فكان ذكره لله يجري مع أنفاسه، قائمًا وقاعدًا وعلى جَنْبه، وفي مشيه وركوبه، وسَيْره ونزوله، وظَعْنِه٥ وإقامته.