وعبد الله بن عمر١. وعامَّة هذه الأحاديث صحيحةٌ، وسائرها حسنٌ٢، والمعارض لها إمَّا معلول السَّند، وإمَّا ضعيف الدَّلالة، فلا يُرَدُّ صريحُ نهيه المستفيض عنه بذلك، كحديث عِراكٍ عن عائشة: ذُكِر لرسول الله ﷺ أنَّ أناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: «أَوَقد فعلوها؟ حَوِّلوا مَقْعدتي قِبَلَ القبلة». رواه الإمام أحمد٣، وقال٤: هو أحسن ما روي في الرُّخصة، وإن كان مرسلًا.
ولكنَّ هذا الحديث قد طعن فيه البخاريُّ وغيره من أئمَّة الحديث٥، ولم يُثبتِوه، ولا يقتضي كلام الإمام أحمد تثبيتَه ولا تحسينَه. قال الترمذي في
(١) روى البخاري (١٤٨) ومسلم (٢٦٦/ ٦١) عن ابن عمر قال: رقِيتُ على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ قاعدًا لحاجته، مستقبل الشام، مستدبر القبلة.
(٢) ص: «حسان».
(٣) برقم (٢٥٨٩٩)، وابن ماجه (٣٢٤)، وفيه علل كثيرة. انظر: «السلسلة الضعيفة» (٩٤٧) وتعليق المحققين على «المسند» (٢٥٠٦٣).
(٤) نقل كلام أحمد: ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (١/ ٥٧) ومغلطاي في «شرح سنن ابن ماجه» (١/ ١١٨)، وقال الأخير: «كذا ذكره في المسند». ولم أجده في المطبوع. وانظر لأحمد نحو هذا الكلام عند ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص ١٦٢).
(٥) «من أئمة الحديث» ليست في ص، ج.
كتاب «العلل الكبير»١ له: سألت أبا عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ عن هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ فيه اضطرابٌ، والصَّحيح عندي عن عائشة قولها. انتهى.
قلت: وله علَّةٌ أخرى، وهي٢ انقطاعه بين عِراكٍ وعائشة، فإنَّه لم يسمع منها، وقد رواه عبد الوهَّاب الثَّقفيُّ عن خالدٍ الحذَّاء عن رجلٍ [عن عراك] عن عائشة٣. وله علَّةٌ أخرى، وهي ضعف خالد بن أبي الصَّلْت٤.
ومن ذلك حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن تُستقبل القبلةُ ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقبَض بعامٍ يستقبلها٥. وهذا الحديث غَرَّبَه٦ الترمذي بعد
(٣) بهذا الإسناد رواه أحمد (٢٥٥٠٠) والدارقطني (١٦٨ وعقب ١٦٥) والزيادة منهما.
(٤) هو الرجل المبهم كما في بعض طرق الحديث عند أحمد (٢٥٠٦٣، ٢٥٨٣٧، ٢٥٨٩٩، ٢٦٠٢٧) وابن ماجه (٣٢٤) والدارقطني (١٦٧) وغيرهم. وانظر للتفصيل: تعليق محققي «المسند» (٢٥٠٦٣)، وقد تكلم المؤلف عليه بأبسط مما هنا في «تهذيب السنن» (١/ ١١).
(٥) رواه أبو داود (١٣) والترمذي (٩) وابن ماجه (٣٢٥) من حديث جابر ﵁ في إسناده عنعنه، وصرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد (١٤٨٧٢) وابن الجارود (٣١)، والحديث صححه البخاري كما في «العلل الكبير» (٥) وابن خزيمة (٥٨) وابن حبان (١٤٢٠) والحاكم (١/ ١٥٤)، وحسنه الترمذي. وانظر: «صحيح أبي داود - الأم» (١/ ٣٦).