زاد المعاد

كتاب «العلل الكبير»١ له: سألت أبا عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ عن هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ فيه اضطرابٌ، والصَّحيح عندي عن عائشة قولها. انتهى.

قلت: وله علَّةٌ أخرى، وهي٢ انقطاعه بين عِراكٍ وعائشة، فإنَّه لم يسمع منها، وقد رواه عبد الوهَّاب الثَّقفيُّ عن خالدٍ الحذَّاء عن رجلٍ [عن عراك] عن عائشة٣. وله علَّةٌ أخرى، وهي ضعف خالد بن أبي الصَّلْت٤.

ومن ذلك حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن تُستقبل القبلةُ ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقبَض بعامٍ يستقبلها٥. وهذا الحديث غَرَّبَه٦ الترمذي بعد

  1. (١) (ص ٢٤). وانظر: «التاريخ الكبير» (٣/ ١٥٦) و«العلل» لابن أبي حاتم (٥٠).
  2. (٢) «وهي» ليست في ص.
  3. (٣) بهذا الإسناد رواه أحمد (٢٥٥٠٠) والدارقطني (١٦٨ وعقب ١٦٥) والزيادة منهما.
  4. (٤) هو الرجل المبهم كما في بعض طرق الحديث عند أحمد (٢٥٠٦٣، ٢٥٨٣٧، ٢٥٨٩٩، ٢٦٠٢٧) وابن ماجه (٣٢٤) والدارقطني (١٦٧) وغيرهم. وانظر للتفصيل: تعليق محققي «المسند» (٢٥٠٦٣)، وقد تكلم المؤلف عليه بأبسط مما هنا في «تهذيب السنن» (١/ ١١).
  5. (٥) رواه أبو داود (١٣) والترمذي (٩) وابن ماجه (٣٢٥) من حديث جابر ﵁ في إسناده عنعنه، وصرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد (١٤٨٧٢) وابن الجارود (٣١)، والحديث صححه البخاري كما في «العلل الكبير» (٥) وابن خزيمة (٥٨) وابن حبان (١٤٢٠) والحاكم (١/ ١٥٤)، وحسنه الترمذي. وانظر: «صحيح أبي داود - الأم» (١/ ٣٦).
  6. (٦) في المطبوع: «استغربه» خلاف النسخ.
457

تحسينه، وقال الترمذي في كتاب «العلل»١: سألتُ محمَّدًا ــ يعني البخاريَّ ــ عن هذا الحديث فقال: هذا حديثٌ صحيحٌ، رواه غير واحدٍ عن ابن إسحاق.

فإن كان مراد البخاريِّ صحته عن ابن إسحاق لم يدلَّ على صحَّته في نفسه، وإن كان مراده صحَّته في نفسه فهي واقعةُ عينٍ، حكمُها حكمُ حديث ابن عمر لمَّا رأى رسول الله ﷺ يقضي حاجتَه مستدبرَ الكعبة٢. وهذا يحتمل وجوهًا ستَّةً: نسخُ النهي به، وعكسه، وتخصيصه به ﷺ، وتخصيصه بالبنيان، وأن يكون لعذرٍ اقتضاه٣ المكان أو غيره، وأن يكون بيانًا لأنَّ النَّهي ليس على التَّحريم. ولا سبيلَ إلى الجزم بواحدٍ من هذه الوجوه على التَّعيين، وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه الثَّاني منها، فلا سبيلَ إلى ترك أحاديث النَّهي الصَّحيحة الصَّريحة المستفيضة بهذا المحتمل.

وقول ابن عمر إنَّما نُهِي عن ذلك في الصَّحراء، فَهْمٌ منه لاختصاص النَّهي بها، وليس بحكاية لفظ النَّهي، وهو مُعارَضٌ بفهم أبي أيوب٤ للعموم، مع سلامة قول أصحاب العموم من التَّناقض الذي يَلزم المفرِّقين بين الفضاء والبنيان، فإنَّه يُقال لهم: ما حدُّ الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيلَ إلى ذكر حدٍّ فاصلٍ. وإن جعلوا مطلقَ البنيان مجوِّزًا لذلك لزِمَهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبلٌ قريبٌ أو بعيدٌ، كنظيره في البنيان.

  1. (١) (ص ٢٣).
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) «النهي به ... اقتضاه» ساقطة من المطبوع، فاختلَّ السياق.
  4. (٤) تقدم تخريجه.
458

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي