يُذكر عن أبي داود١ ــ وهو في بعض نسخ «سننه» ــ أنَّه قال: ليس في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ حديثٌ مسندٌ صحيحٌ.
فصل
في هديه في أذكار الطَّعام قبله وبعده
كان إذا وضع يده في الطَّعام قال: «بسم الله»، ويأمر الآكل بالتَّسمية ويقول: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوَّله فليقل: بسم الله في أوَّله وآخره»٢. حديثٌ صحيحٌ.
والصَّحيح وجوب التَّسمية عند الأكل، وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صحيحةٌ صريحةٌ٣ لا معارِضَ لها، ولا إجماع يُسوِّغ مخالفَها٤ ويُخرِجها عن ظاهرها، وتاركُها شريك الشَّيطان في طعامه وشرابه٥.
فصل
وهاهنا مسألةٌ تدعو الحاجة إليها، وهي أنَّ الآكلين إذا كانوا جماعةً،
(١) بعد حديث (٥٠٩٣).
(٢) رواه أحمد (٢٥٧٣٣) وأبو داود (٣٧٦٧) والترمذي (١٨٥٨) من حديث عائشة ﵂.، والحديث صححه الترمذي والمصنف والألباني في «الإرواء» (٧/ ٢٤).
(٣) كقول النبي لعمر بن أبي سلمة ﵄: «يا غلام، سَمِّ الله وكلْ بيمينك، وكلْ مما يليك»، رواه البخاري (٥٣٧٦) ومسلم (٢٠٢٢/ ١٠٨).
(٤) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «مخالفتها». وليس في ج: «يسوغ مخالفها».
(٥) «ويخرجها ... وشرابه» ساقطة من ق.
فسمَّى أحدهم، هل تزول مشاركة الشَّيطان لهم في طعامهم بتسميته وحده، أم لا تزول إلا بتسمية الجميع؟ فنصَّ الشافعيُّ على إجزاء تسمية الواحد عن الباقين، وجعله أصحابه كردِّ السلام وتشميت العاطس.
وقد يقال: لا ترتفع مشاركة الشَّيطان للآكل إلا بتسميته هو، ولا يكفيه تسمية غيره، ولهذا في حديث حذيفة: إنَّا حضرنا مع النبي ﷺ طعامًا، فجاءت جاريةٌ كأنَّها تُدفَع، فذهبتْ لتضع يدها في الطَّعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثمَّ جاء أعرابيٌّ فأخذ بيده، فقال رسول الله ﷺ: «إنَّ الشَّيطان يستحلُّ الطَّعامَ أن لا يُذكَر اسم الله عليه، وإنَّه جاء بهذه الجارية ليستحلَّ١ بها، فأخذتُ بيدها، فجاء بهذا الأعرابيِّ ليستحلَّ به فأخذتُ بيده، والَّذي نفسي بيده إنَّ يده لفي٢ يدي مع يديهما»، ثمَّ ذكر اسم الله وأكل٣. ولو كانت تسمية الواحد تكفي لما وضعَ الشَّيطانُ يدَه في ذلك الطَّعام.
ولكن قد يُجاب عن هذا بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن وضع يدَه وسمَّى بعدُ، ولكنَّ الجارية ابتدأت بالوضع بغير تسميةٍ، وكذلك الأعرابيُّ، فشاركَهما الشَّيطان، فمن أين لكم أنَّ الشَّيطان يشارك من لم يُسمِّ بعد تسمية غيره؟ فهذا ممَّا يمكن أن يقال، لكن قد روى الترمذي٤ وصحَّحه من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستَّةٍ من أصحابه، فجاء أعرابيٌّ فأكله
(١) ص، ك، ج: «يستحل».
(٢) ج: «في».
(٣) رواه مسلم (٢٠١٧/ ١٠٢) من حديث حذيفة ﵁.
(٤) برقم (١٨٥٨) من حديث عائشة ﵂ وصححه، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل» (ص ١٠٧).