زاد المعاد

وفيهما١ أنَّ آدم لمَّا خلقه الله قال له: اذهَبْ إلى أولئك النَّفر من الملائكة، فسَلِّم عليهم، واستمِعْ ما يُحيُّونك، فإنَّها تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيَّتك، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السَّلام عليك ورحمة اللَّه، فزادوه «ورحمة اللَّه»٢.

وفيهما أنَّه أمر بإفشاء السَّلام، وأخبرهم٣ أنَّهم إذا أفْشَوا السَّلام بينهم تَحابُّوا، وأنَّهم لا يدخلون الجنَّة حتَّى يؤمنوا، ولا يؤمنون حتَّى يتحابُّوا٤.

وقال البخاريُّ في «صحيحه»٥ قال عمار: ثلاثٌ من جمعَهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السَّلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.

وقد تضمَّنت هذه الكلمات أصولَ الخير وفروعَه، فإنَّ الإنصاف يوجب عليه أداءَ حقوق الله كاملةً موفَّرةً، وأداء حقوق النَّاس كذلك، وأن لا يطالبهم بما ليس له، ولا يُحمِّلهم فوقَ وُسْعهم، ويعاملهم بما يحبُّ أن يعاملوه به، ويُعفِيهم ممَّا يحبُّ أن يُعْفُوه منه، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه

  1. (١) البخاري (٣٣٢٦) ومسلم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) «فزادوه ورحمة الله» ليست في ك.
  3. (٣) ق، ص: «وأخبر».
  4. (٤) رواه مسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
  5. (٥) معلقًا بصيغة الجزم (١/ ٨٢)، ووصله ابن أبي شيبة (٣١٠٨٠). والأثر صححه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٢٥) وابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٣٨) والألباني في «تخريج الكلم الطيب» (ص ١٥٥) و«مختصر صحيح البخاري» (١/ ٢٧).
479

وعليها، ويدخل في هذا إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدَّعي لها ما ليس لها، ولا يُخفيها١ بتَدْسِيَتِه لها، وتصغيرِه إيَّاها، وتحقيرِها بمعاصي الله، ويُنمِّيها ويُكبِّرها ويَرفَعُها بطاعة الله وتوحيده، وحبِّه وخوفه ورجائه، والتَّوكُّل عليه والإنابة إليه٢، وإيثارِ مَراضِيه ومَحابِّه على مَراضي الخلقِ ومَحابِّهم، ولا يكون بها مع الخلق ولا مع الله، بل يَعزِلُها من البين٣ كما عَزَلَها اللَّه، ويكون بالله لا بنفسه في حبِّه وبغضه، وعطائه ومنعه، وكلامه وسكوته، ومدخله ومخرجه، فيُنْجِي نفسَه من البين، ولا يرى لها مكانةً يعمل عليها٤، فيكون ممَّن ذمَّهم الله بقوله: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥].

فالعبد المحض ليس له مكانةٌ يعمل عليها، فإنَّه يستحقُّ المنافع٥ والأعمال لسيِّده، ونفسه مِلْكٌ له، فهو عاملٌ على أن يؤدِّي إلى سيِّده ما هو مستحقٌّ له عليه٦، ليس له مكانةٌ أصلًا، بل قد كُوتِب على حقوقٍ مُنَجَّمةٍ، كلَّما أدَّى نَجْمًا حلَّ عليه نجمٌ آخر، ولا يزال المُكاتَب عبدًا ما بقيَ عليه شيءٌ من نجوم الكتابة.

والمقصود أنَّ إنصافه من نفسه يُوجِب عليه معرفةَ ربِّه وحقِّه عليه، ومعرفةَ نفسِه وما خُلِقَتْ له، وأن لا يزاحمَ بها مالكها وفاطرها، ويدَّعيَ لها

  1. (١) ج: «يخيبها».
  2. (٢) «وحبه ... إليه» ليست في ق، ب، ك، م، مب. والمثبت من بقية النسخ.
  3. (٣) ك: «البغي» هنا وفيما يأتي.
  4. (٤) «عليها» ليست في ك.
  5. (٥) ك: «مستحق للمنافع».
  6. (٦) ص، ج: «عليه له».
480

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي