زاد المعاد

ثمَّ كيف يُنصِف غيرَه من لم يُنصِف نفسَه، وظَلَمَها أقبحَ الظُّلم، وسَعى في ضررها أعظمَ السَّعي، ومَنعَها أعظمَ لذَّاتها من حيث ظنَّ أنَّه يعطيها إيَّاها، وأتعبَها كلَّ التَّعب وأشقاها كلَّ الشَّقاء من حيث ظنَّ أنَّه يُرِيحها ويُسعِدها، وجَدَّ كلَّ الجِدِّ١ في حرمانها حظَّها من اللَّه وهو يظنُّ أنَّه يُنِيلُها حظوظَها، ودَسَّاها كلَّ التَّدسية وهو يظنُّ أنَّه يُكبِّرها ويُنمِّيها، وحَقَّرها كلَّ التَّحقير وهو يظنُّ أنَّه يُعظِّمها، فكيف يُرجى الإنصافُ ممَّن هذا إنصافه لنفسه؟

إذا كان هذا فِعْلَ عبدٍ بنفسهفماذا تَراه بالأجانبِ يَفعلُ٢

والمقصود أنَّ قول عمار ﵁: «ثلاثٌ مَن جمعهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السَّلام للعالم، والإنفاق من الإقتار» كلامٌ جامعٌ لأصول الخير وفروعه.

وبذل السَّلام للعالم يتضمَّن تواضعَه، وأنَّه لا يتكبَّر على أحدٍ، بل يَبذُل السَّلام للصَّغير والكبير، والشَّريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه. والمتكبِّر ضدُّ هذا، فإنَّه لا يردُّ السَّلام على كلِّ من٣ سلَّم عليه كِبْرًا منه وتِيهًا، فكيف يَبذُل السَّلامَ لكلِّ أحدٍ؟

وأمَّا الإنفاق من الإقتار فلا يَصدُر إلا عن قوَّة ثقةٍ باللَّه، وأنَّ الله يُخلِف ما أنفقه، وعن قوَّة يقينٍ وتوكُّلٍ ورحمةٍ، وزهدٍ في الدُّنيا، وسخاء نفسٍ بها، ووُثوقٍ بوعدِ من وعدَه مغفرةً منه وفضلًا، وتكذيبٍ بوعدِ مَن يَعِدُه الفقرَ

  1. (١) ج: «الجهد».
  2. (٢) لم أجد البيت في المصادر، ولعله للمؤلف. وقد كُتب في المطبوع بصورة نثر.
  3. (٣) ك: «كل أحد».
482

ويأمره بالفحشاء. والله المستعان.

فصل

ثبت عنه ﷺ أنَّه مرَّ بصبيانٍ فسلَّم عليهم. ذكره مسلم١.

وذكر الترمذي٢ في «جامعه» عنه أنه مرَّ يومًا بجماعة نسوةٍ فأَلوى بيده بالتَّسليم.

وقال أبو داود٣: عن أسماء بنت يزيد: مرَّ علينا النبيُّ ﷺ في نسوةٍ فسلَّم علينا. وهي رواية حديث الترمذي، والظَّاهر أنَّ القصَّة واحدةٌ وأنَّه سلَّم عليهنَّ بيده.

وفي «صحيح البخاريِّ»٤: أنَّ الصَّحابة كانوا ينصرفون من الجمعة فيمرُّون على عجوزٍ في طريقهم فيسلِّمون عليها، فتُقدِّم لهم طعامًا من أصول السِّلْق٥ والشَّعير.

وهذا هو الصَّواب في مسألة السَّلام على النِّساء، يُسلَّم على العجوز

  1. (١) برقم (٢١٦٨) من حديث أنس ﵁.
  2. (٢) برقم (٢٦٩٧)، وأحمد (٢٦٩٧)، من حديث أسماء بنت يزيد﵁ -، وفي إسناده شهر بن حوشب مختلف فيه، وله طريق وشاهد يقويه. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٨٢٣).
  3. (٣) برقم (٥٢٠٤) وابن ماجه (٣٧٠١)، وهو الحديث السابق كما ذكره المؤلف.
  4. (٤) برقم (٩٣٨) من حديث سهل بن سعد ﵄.
  5. (٥) بقلة لها ورقٌ طوال وأصلٌ ذاهب في الأرض، وورقُها غضٌّ طرِيٌّ يُؤكل مطبوخًا.
483

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي