الثَّالثة: أنَّ سعيد بن أبي مريم أحد رواته لم يجزم بالرِّواية، بل قال: أظنُّ أنِّي سمعت نافع بن يزيد.
وأضعف من هذا الحديثُ الآخر عن أنس: كان رجلٌ يمرُّ بالنبيِّ ﷺ فيقول: السَّلام عليك يا رسول اللَّه، فيقول له النبيُّ ﷺ٢: «وعليك السَّلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه»، فقيل له: يا رسول الله، تُسلِّم على هذا سلامًا ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ قال: «وما يمنعني من ذلك وهو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلًا»، وكان يرعى على أصحابه٣.
فصل
وكان من هديه أن يسلِّم ثلاثًا كما في «صحيح البخاريِّ»٤ عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتَّى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثًا.
ولعلَّ هذا كان هديَه في السَّلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلامٌ واحدٌ، أو هديه في إسماع السَّلام الثَّاني والثَّالث، إذا ظنَّ أنَّ الأوَّل لم يحصل به الإسماع، كما سلَّم لمَّا انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثًا، فلمَّا لم يجبه
(١) انظر: «تهذيب الكمال» (١٢/ ٢٠٨).
(٢) «له النبي ﷺ» ليست في ك.
(٣) رواه ابن السني (٢٣٥) وأعله ابن حجر بنوح بن ذكوان ويوسف بن أبي كثير وبقية بن الوليد. انظر: «الفتوحات الربانية» لابن علان (٥/ ٢٩٢).
(٤) برقم (٩٥).
أحدٌ رجع١. وإلَّا فلو كان هديه الدَّائم التَّسليم ثلاثًا لكان أصحابه يسلِّمون عليه كذلك، ولكان يسلِّم على كلِّ٢ من لقيه ثلاثًا، وإذا دخل بيته سلَّم ثلاثًا. ومن تأمَّل هديه علم أنَّ الأمر ليس كذلك، وأنَّ تكرار السَّلام كان منه أمرًا عارضًا في الأحيان٣، والله أعلم.
فصل
وكان يبدأ من لقيه بالسَّلام، وإذا سلَّم عليه أحدٌ ردَّ عليه مثلَ تحيَّته أو أفضلَ منها على الفور من غير تأخيرٍ، إلا لعذرٍ مثل حالة الصَّلاة، أو حالة قضاء الحاجة.
وكان يُسمِع المسلمَ ردَّه عليه، ولم يكن يردُّ بيده ولا رأسه ولا إصبعه إلا في الصَّلاة، فإنَّه كان يردُّ على من سلَّم عليه إشارةً، ثبت ذلك عنه في عدَّة أحاديث، ولم يجئ عنه ما يعارضها إلا شيءٌ باطلٌ لا يصحُّ عنه، كحديثٍ يرويه أبو غَطفان رجلٌ مجهولٌ، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «من أشار في صلاته إشارةً تُفْهَم عنه فلْيُعِدْ صلاتَه»٤. قال الدَّارقطنيُّ٥: قال لنا
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٠٧٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (ص ٤١٢ - ٤١٣).
(٢) «كل» ليست في ك.
(٣) في المطبوع: «بعض الأحيان» خلاف جميع النسخ.
(٤) رواه أبو داود (٩٤٤)، وقال: «هذا الحديث وهم». والحديث ضعيف. انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (٢/ ٢٩٩)، «السلسلة الضعيفة» (١١٠٤)، «ضعيف أبي داود - الأم» (١/ ٣٥٩).