ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجلٌ مجهولٌ. والصَّحيح عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يشير في الصَّلاة١، رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبيِّ ﷺ٢.
فصل
وكان هديه في ابتداء السَّلام أن يقول: «السَّلام عليكم ورحمة اللَّه»، وكان يكره أن يقول المبتدئ: عليك السَّلام.
قال أبو جُرَي٣ الهُجَيمي: أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلت: عليك السَّلام يا رسول اللَّه، فقال٤: «لا تَقُلْ عليك السَّلام، فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى»٥. حديثٌ صحيحٌ.
وقد أشكل هذا الحديث على طائفةٍ، وظنُّوه معارضًا لما ثبت عنه في السَّلام على الأموات بلفظ: «السَّلام عليكم» بتقديم السَّلام، وظنُّوا أنَّ قوله «فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة الموتى» إخبارٌ٦ عن المشروع، وغَلِطوا في ذلك غلطًا أوجب لهم ظنَّ التَّعارض. وإنَّما معنى قوله: «فإنَّ عليك السَّلام تحيَّة
(١) تقدم تخريجها في الجزء الأول.
(٢) إلى هنا كلام الدارقطني.
(٣) م، مب: «أبو جرير»، تحريف.
(٤) ص، ك، ج: «قال».
(٥) رواه أحمد (١٥٩٥٥) وأبو داود (٥٢٠٩) والترمذي (٢٧٢٢)، وصححه الترمذي، والنووي في «الأذكار» (ص ٢٥٠) والمصنف والألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٤٠٣).
(٦) ك: «إخبارا».
الموتى» إخبارٌ عن الواقع، لا عن المشروع، أي١: أنَّ الشُّعراء وغيرهم يُحيُّون الموتى بهذه اللَّفظة، كقول قائلهم٢:
عليك سلامُ الله قيسُ بنَ عاصمورحمتُه ما شاء أن يترحَّما
فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما
فكره النبيُّ ﷺ أن يُحيَّى بتحيَّة الأموات، ومن كراهته لذلك لم يردَّ على المسلِّم٣.
وكان يردُّ على المسلِّم «وعليك السَّلام» بالواو، وبتقديم «عليك» على لفظ السَّلام.
وتكلَّم النَّاس هاهنا في مسألةٍ، وهي لو حذف الرَّادُّ الواو فقال: عليك السَّلام، هل يكون ردًّا صحيحًا؟
فقالت طائفةٌ منهم المتولِّي وغيره٤: لا يكون جوابًا، ولا يسقط به فرض الردِّ، لأنَّه مخالفٌ لسنة الردِّ، ولأنَّه لا يعلم هل هو ردٌّ أو ابتداء تحيَّةٍ، فإنَّ صورته صالحةٌ لهما، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب
(١) «ظن التعارض ... أي» ساقطة من ب.
(٢) هو عَبْدة بن الطبيب كما في «حماسة أبي تمام» (١/ ٣٨٧) و«الشعر والشعراء» (٢/ ٧٢٨) و«عيون الأخبار» (١/ ٢٨٧) و«الأغاني» (١٠/ ١٩١، ١٤/ ٨٣) وغيرها.
(٣) ج: «﵇» بدل «على المسلِّم». وانظر كلام المؤلف على هذه المسألة في «تهذيب سنن أبي داود» (٣/ ٦٢ - ٦٤) و«بدائع الفوائد» (٢/ ٦٦٠ - ٦٦٣).