الموتى» إخبارٌ عن الواقع، لا عن المشروع، أي١: أنَّ الشُّعراء وغيرهم يُحيُّون الموتى بهذه اللَّفظة، كقول قائلهم٢:
عليك سلامُ الله قيسُ بنَ عاصمورحمتُه ما شاء أن يترحَّما
فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما
فكره النبيُّ ﷺ أن يُحيَّى بتحيَّة الأموات، ومن كراهته لذلك لم يردَّ على المسلِّم٣.
وكان يردُّ على المسلِّم «وعليك السَّلام» بالواو، وبتقديم «عليك» على لفظ السَّلام.
وتكلَّم النَّاس هاهنا في مسألةٍ، وهي لو حذف الرَّادُّ الواو فقال: عليك السَّلام، هل يكون ردًّا صحيحًا؟
فقالت طائفةٌ منهم المتولِّي وغيره٤: لا يكون جوابًا، ولا يسقط به فرض الردِّ، لأنَّه مخالفٌ لسنة الردِّ، ولأنَّه لا يعلم هل هو ردٌّ أو ابتداء تحيَّةٍ، فإنَّ صورته صالحةٌ لهما، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب
(١) «ظن التعارض ... أي» ساقطة من ب.
(٢) هو عَبْدة بن الطبيب كما في «حماسة أبي تمام» (١/ ٣٨٧) و«الشعر والشعراء» (٢/ ٧٢٨) و«عيون الأخبار» (١/ ٢٨٧) و«الأغاني» (١٠/ ١٩١، ١٤/ ٨٣) وغيرها.
(٣) ج: «﵇» بدل «على المسلِّم». وانظر كلام المؤلف على هذه المسألة في «تهذيب سنن أبي داود» (٣/ ٦٢ - ٦٤) و«بدائع الفوائد» (٢/ ٦٦٠ - ٦٦٣).
فقولوا: وعليكم»١، فهذا تنبيهٌ منه على وجوب الواو في الردِّ على أهل الإسلام، فإنَّ الواو في مثل هذا الكلام تقتضي تقرير الأوَّل وإثبات الثَّاني، فإذا أمر بالواو في الردِّ على أهل الكتاب الذين يقولون: السَّام عليكم، فقال: «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم» = فذِكْرُها في الرَّدِّ على المسلمين أولى وأحرى.
وذهبت طائفةٌ أخرى إلى أنَّ ذلك ردٌّ صحيحٌ، كما لو كان بالواو، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في كتابه الكبير٢، واحتجَّ لهذا القول بقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ٢٤ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾[الذاريات: ٢٤ - ٢٥]، أي: سلامٌ عليكم، لا بدَّ من هذا، ولكن حَسُنَ الحذف في الردِّ لأجل الحذف في الابتداء.
واحتجُّوا بما في «الصَّحيحين»٣ عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: «خلق الله آدمَ طولُه ستُّون ذراعًا، فلمَّا خلقه قال له: اذهَبْ فسلِّم على أولئك النَّفر من الملائكة، فاستمِعْ ما يُحيُّونك، فإنَّها تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيَّتك، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السَّلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة اللَّه». فقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ هذا تحيَّته وتحيَّة ذرِّيَّته.
قالوا: ولأنَّ المسلَّم عليه مأمورٌ أن يُحيِّي المسلِّمَ بمثل تحيَّته عدلًا،
(١) رواه البخاري (٦٢٥٨) ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنس ﵁.
(٢) أي كتاب «الأم»، كما عزاه إليه النووي في «المجموع» (٤/ ٥٩٦). ولم أجده في المطبوع من «الأم».