وأحسنَ١ منها فضلًا، فإذا ردَّ عليه بمثل سلامه كان قد أتى بالعدل.
وأمَّا قوله: «إذا سلَّم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم»، فهذا الحديث قد اختُلِف في لفظة الواو فيه، فرُوِي على ثلاثة أوجهٍ، أحدها: بالواو. قال أبو داود٢: كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينارٍ، ورواه الثوريُّ عن عبد الله بن دينارٍ، وقال فيه: «فعليكم». وحديث سفيان في «الصَّحيحين»٣. ورواه النَّسائيُّ٤ من حديث ابن عيينة عن عبد الله بن دينارٍ بإسقاط الواو، وفي لفظٍ لمسلم والنَّسائيِّ٥: «فقُلْ: عليك» بغير واوٍ.
قال الخطّابي٦: عامَّة المحدِّثين يروونه «وعليكم» بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه «عليكم» بحذف الواو، وهو الصَّواب، وذلك أنَّه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه٧ مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدُّخول فيما قالوه، لأنَّ الواو حرف العطف والاجتماع بين الشَّيئين. انتهى كلامه.
(١) ص، ج: «أو أحسنَ».
(٢) في «سننه» (٥٢٠٦).
(٣) يعني حديث سفيان الثوري، وهو عند مسلم (٢١٦٤/ ٩) بلفظ: «وعليك»، وعند البخاري (٦٩٢٨) بدون الواو: «عليك». وفي رواية السرخسي وحده: «عليكم». انظر: «فتح الباري» (١١/ ٤٣ - ٤٤) لمعرفة الاختلاف في هذا اللفظ.
(٤) رواه في «السنن الكبرى» برقم (١٠١٣٩).
(٥) رواه مسلم (٢١٦٤/ ٨) والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠١٣٨) كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار.
(٦) في «معالم السنن» (٤/ ١٥٤).
(٧) ك: «نفسه».
وما ذكره من أمر الواو ليس بمشكلٍ، فإنَّ «السَّام» الأكثرون على أنَّه الموت، والمسلِّم والمسلَّم عليه مشتركون فيه، فيكون في الإتيان بالواو بيانٌ١ لعدم الاختصاص وإثباتِ المشاركة، وفي حذفها إشعارٌ بأنَّ المسلِّم أحقُّ به وأولى من المسلَّم عليه، وعلى هذا فيكون الإتيان بالواو هو الصَّواب، أو هو أحسن من حذفها، كما رواه مالك وغيره.
ولكن قد فُسِّر «السَّام» بالسَّآمة، وهي الملالة وسآمة الدِّين، قالوا: وعلى هذا فالوجه حذف الواو ولا بدَّ، ولكنَّ هذا خلاف المعروف من هذه اللَّفظة في اللُّغة؛ ولهذا في الحديث: «الحبَّة السَّوداء شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّام»٢، ولا يختلفون أنَّه الموت.
وقد ذهب بعض المتحذلقين إلى أنَّه يردُّ عليهم: «السِّلام عليكم» بكسر السِّين، وهي الحجارة، جمعُ سَلِمَةٍ٣. ورَدُّ هذا الردِّ متعيِّنٌ.
فصل
في هديه في السلام على أهل الكتاب
صحَّ عنه أنَّه قال: «لا تَبدؤوهم بالسَّلام، وإذا لقيتموهم في الطَّريق٤ فاضطرُّوهم إلى أضيق الطَّريق»٥. لكن قد قيل: إنَّ هذا كان في قضيَّةٍ خاصَّةٍ
(١) «بيان» ليست في ك.
(٢) رواه البخاري (٥٦٨٨) ومسلم (٢٢١٥/ ٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٤/ ١٤٤).
(٤) «في الطريق» ليست في ك.
(٥) رواه أبو داود (٥٢٠٥) من حديث أبي هريرة ﵁.والحديث عند مسلم كما سيأتي.