إلى طعامٍ، ثمَّ جاء مع الرَّسول، فإنَّ ذلك له إذنٌ». وهذا الحديث فيه مقالٌ، قال أبو عليٍّ اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع. وقال البخاريُّ في «صحيحه»١: وقال سعيد عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ: «هو إذنه»، فذكره تعليقًا لأجل الانقطاع في إسناده.
وذكر البخاريُّ٢ في هذا الباب حديثًا يدلُّ على اعتبار٣ الاستئذان بعد الدَّعوة، وهو حديث مجاهد، عن أبي هريرة: دخلت مع النبيِّ ﷺ فوجدتُ لبنًا في قَدَحٍ، فقال: «أبا هِرٍّ الْحَقْ٤ أهل الصُّفَّة فادْعُهم إليَّ»، قال: فأتيتُهم فدعوتُهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا.
وقد قالت طائفةٌ: بأنَّ الحديثين على حالين، فإن جاء الدَّاعي على الفور من غير تراخٍ لم يحتج إلى استئذانٍ، وإن تراخى مجيئه عن الدَّعوة وطال الوقت احتاج إلى استئذانٍ.
وقال آخرون: إن كان عند الدَّاعي من قد أذن له قبل مجيء المدعوِّ لم يحتج إلى استئذانٍ٥ آخر، وإن لم يكن عنده من قد أذن له لم يدخل حتَّى يستأذن.
(١) (١١/ ٣١ مع «الفتح»).
(٢) برقم (٦٢٤٦)
(٣) ق، ب، م، مب: «الاعتبار».
(٤) كذا في ص، ج والبخاري. وفي بقية النسخ: «اذهبْ إلى».
(٥) «وإن تراخى ... استئذان» ساقطة من ك بسبب انتقال النظر.
وكان ﷺ إذا دخل إلى مكانٍ يحبُّ الانفراد فيه أمرَ من يمسك الباب، فلا يدخل عليه أحدٌ إلا بإذنٍ١.
فصل
وأمَّا الاستئذان الذي أمر الله به المماليكَ ومن لم يبلغ الحُلُم في العورات الثَّلاث: قبل الفجر، ووقتَ الظَّهيرة، وعند النَّوم، فكان ابن عبَّاسٍ يأمر به، ويقول: ترك النَّاس العملَ به= فقالت طائفةٌ٢: الآية منسوخةٌ. ولم تأت بحجَّةٍ.
وقالت طائفةٌ: أمر نَدْبٍ وإرشادٍ، لا حَتْمٍ وإيجابٍ، وليس معها ما يدلُّ على صرف الأمر عن ظاهره.
وقالت طائفةٌ: المأمور بذلك النِّساء خاصَّةً، وأمَّا الرِّجال فيستأذنون٣ في جميع الأوقات. وهذا ظاهر البطلان، فإنَّ جمع «الذين» لا يختصُّ المؤنَّثَ، وإن جاز إطلاقه عليهنَّ مع الذُّكور تغليبًا.
وقالت طائفةٌ عكس هذا: إنَّ المأمور بذلك الرِّجال دون النِّساء، نظرًا إلى لفظ «الذين» في الموضعين. ولكن سياق الآية يأباه، فتأمَّلْه.
(١) رواه البخاري (٣٦٩٣) ومسلم (٢٤٠٣/ ٢٨) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) انظر اختلاف العلماء في المراد بهذه الآية في «الجامع لأحكام القرآن» (١٥/ ٣٢٩، ٣٣٠) طبعة الرسالة.