وقد روى أبو داود١ عن سعيد بن أبي سعيدٍ عن أبي هريرة موقوفًا عليه: شَمِّتْ أخاك ثلاثًا، فما زاد فهو زكامٌ٢.
وفي روايةٍ عن سعيد٣، قال: لا أعلمه إلا أنَّه رفع الحديث إلى النبيِّ ﷺ بمعناه. قال أبو داود٤: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ. انتهى. وموسى بن قيس هذا الذي رفعه يُعرف بعصفور الجنة كوفي. قال يحيى بن معينٍ: ثقةٌ. وقال أبو حاتمٍ الرازيُّ: لا بأس به٥.
وذكر أبو داود٦ عن عُبيد بن رِفاعة الزُّرقي، عن النبيِّ ﷺ قال: «تُشَمِّت٧ العاطسَ ثلاثًا، فإن شئتَ فشَمِّتْه، وإن شئتَ فكُفَّ». ولكنْ له علَّتان، إحداهما: إرساله، فإنَّ عبيدًا هذا ليست له صحبةٌ. والثَّانية: أنَّ فيه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وقد تُكلِّم فيه٨.
(١) برقم (٥٠٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁ موقوفًا، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (ص ٣٤٨).
(٢) ك: «مزكوم».
(٣) رواها أبو داود (٥٠٣٥)، قال الألباني في «تخريج الهداية»: «وإسناده حسن» ثم ذكر أن ابن أبي حاتم نقل في «العلل» (٦/ ١٢٥) عن أبيه تقويتَه وترجيحَ رفعه.
(٧) ص، ج: «يشمت». ك: «فشمت». والمثبت من بقية النسخ موافق للرواية.
(٨) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» (٣٣/ ٢٧٣).
وفي الباب حديثٌ آخر عن أبي هريرة يرفعه: «إذا عطسَ أحدُكم فلْيُشَمِّتْه جليسُه، وإن زاد على الثَّلاث١ فهو مزكومٌ، ولا تشمِّته بعد الثَّلاث٢». وهذا الحديث هو حديث أبي داود٣ الذي قال فيه: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة. وهو حديثٌ حسنٌ.
فإن قيل: فإذا كان الذي به زكامٌ، فهو أولى أن يُدعى له ممَّن لا علَّة به؟
قيل له: يُدعى له كما يُدعى للمريض ومن به داءٌ ووجعٌ. وأمَّا سنَّة العطاس الذي يحبُّه اللَّه، وهو نعمةٌ، ويدلُّ على خفَّة البدن وخروجِ الأبخرة المحتقنة= فإنَّما يكون إلى تمام الثَّلاث٤، وما زاد عليها يُدعى لصاحبه بالعافية.
وقوله في هذا٥ الحديث: «الرَّجل مزكومٌ» تنبيهٌ على الدُّعاء له بالعافية؛ لأنَّ الزُّكمة علَّةٌ، وفيه اعتذارٌ من ترك تشميته بعد الثَّلاث، وفيه تنبيهٌ على هذه العلَّة ليتداركها، ولا يُهمِلها فيصعب أمرها، فكلامه ﷺ كلُّه حكمةٌ ورحمةٌ وعلمٌ وهدًى.