كلُّه١، الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يَصرِف السَّيِّئاتِ إلا هو، الذي إذا فتح لعبده رحمةً لم يستطع أحدٌ حَبْسَها عنه، وإذا أمسكها لم يستطع أحدٌ إرسالَها إليه عن التَّطيُّر والتَّنجيم واختيار٢ الطَّالع ونحوه. فهذا الدُّعاء هو الطَّالع الميمون السَّعيد، طالع أهل السَّعادة والتَّوفيق، الذين سبقَتْ لهم من الله الحسنى، لا طالع أهل٣ الشِّرك والشَّقاء والخذلان، الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، فسوف يعلمون.
فتضمَّن هذا الدُّعاء٤ الإقرارَ بوجوده سبحانه، والإقرار بصفات كماله من كمال العلم والقدرة والإرادة، والإقرار بربوبيَّته، وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به، والتَّوكُّل عليه، والخروج من عهدة نفسه، والتَّبرِّي من الحول والقوَّة إلا به، واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها وإرادته لها، وأنَّ ذلك كلَّه بيد وليِّه وفاطره وإلهه الحقِّ.
وفي «مسند الإمام أحمد»٥ من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه بما قضى اللَّه، وإن من شقاوة ابن آدم ترْكَ استخارة اللَّه، وسَخَطَه بما قضى اللَّه».
فتأمَّلْ كيف وقع المقدور مكتنفًا بأمرين: التَّوكُّل الذي هو مضمون
(١) بعدها في ج: «وإليه يرجع الأمر كله». وليست في بقية النسخ.
(٢) ص، ج: «اخبار».
(٣) ق، ب، م، مب: «لأهل».
(٤) «الدعاء» ليست في ك.
(٥) برقم (١٤٤٤) من حديث سعد بن أبي وقاص﵁ -، وفي إسناده محمد بن أبي حميد متكلم فيه. انظر: «السلسلة الضعيفة» (١٩٠٦).
الاستخارة قبله، والرِّضى بما يقضي الله له بعده، وهما عنوان السَّعادة. وعنوانُ الشَّقاء أن يكتنفه تركُ التَّوكُّل والاستخارةِ قبله، والسَّخطُ بعده. فالتَّوكُّل قبل القضاء، فإذا أُبرِم القضاء وتمَّ انتقلت العبوديَّة إلى الرِّضى بعده، كما في «المسند» والنَّسائيِّ١ في الدُّعاء المشهور: «وأسألك الرِّضى بعد القضاء». وهذا أبلغ من الرِّضى بالقضاء، فإنَّه قد يكون عزمًا، فإذا وقع القضاء تنحلُّ العزيمة، وإذا حصل الرِّضى٢ بعد القضاء كان حالًا أو مقامًا.
والمقصود أنَّ الاستخارة توكُّلٌ على الله، وتفويضٌ إليه، واستقسامٌ بقدرته وعلمه٣ وحسنِ اختياره لعبده، وهي من لوازم الرِّضى به ربًّا٤، الذي لا يذوق طعمَ الإسلام من لم يكن كذلك، فإن رضيَ بالمقدور بعدها فذلك علامة سعادته.
وذكر البيهقي٥ وغيره عن أنس قال: لم يُرِد رسول الله ﷺ سفرًا قطُّ إلا قال حين ينهض من جلوسه: «اللَّهمَّ بك انتشرتُ، وإليك توجَّهتُ٦، وبك اعتصمتُ، وعليك توكَّلتُ. اللَّهمَّ أنت ثقتي، وأنت رجائي. اللَّهمَّ
(١) أحمد (١٨٣٢٥) والنسائي (١٣٠٥) من حديث عمار بن ياسر﵁ -، والحديث صححه الحاكم (١/ ٥٢٤) والألباني في «تخريج الكلم الطيب» (ص ١٠٩ - ١١٠).
(٢) «الرضى» ليست في ص.
(٣) ج: «بعلمه وقدرته».
(٤) ص، ج: «أما».
(٥) (٥/ ٢٥٠)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٠): «وفيه عمر بن مساور، وهو ضعيف» انتهى. وفيه أيضًا عنعنة الحسن البصري، ولم يصرح بالتحديث.