يرفعه: «إنَّ للملَك بقلب ابن آدم لمَّةً، وللشَّيطان لمَّةً، فلمَّة المَلكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ ورجاءُ صالح ثواب، ولمَّةُ الشَّيطان إيعادٌ بالشَّرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ وقنوطٌ من الخير، فإذا وجدتم لمَّةَ الملَك فاحمدوا الله وسَلُوه من فضله، وإذا وجدتم لمَّةَ الشَّيطان فاستعيذوا بالله واستغفروه»١.
وقال له عثمان بن العاص٢: حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: «ذاك شيطانٌ يقال له خِنْزَبٌ، فإذا أحسستَه فتعوَّذْ بالله منه، واتْفُلْ عن يسارِك ثلاثًا»٣.
وشكا إليه الصَّحابة أنَّ أحدهم يجد في نفسه ما٤ لأن يكون حُمَمةً أحبُّ إليه من أن يتكلَّم به، فقال: «اللَّه أكبر٥، الحمد لله الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسة»٦.
(١) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٤١٨٨) من طريق صالح بن كيسان بنحوه، وإسناده منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك ابن مسعود، ووصله الترمذي (٢٩٨٨) والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٨٥) من طريق عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود﵁ -، وفي سنده عطاء بن السائب اختلط، وجاء موقوفًا عند الطبري في «تفسيره» بسند حسن (٥/ ٧)، وبهما يتقوى الحديث، والحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٩٩٧).
(٢) كذا في النسخ. والصواب: «بن أبي العاص» كما في «صحيح مسلم».
(٣) رواه مسلم (٢٢٠٣).
(٤) بعدها في المطبوع: «يعرّض بالشيء»، وليست في الأصول.
(٥) في المطبوع: «الله أكبر» مرتين.
(٦) رواه أحمد (٢٠٩٧) وأبو داود (٥١١٢)، من حديث ابن عباس ﵄، قال الألباني في «ظلال الجنة» (٦٥٨): «إسناد صحيح على شرط الشيخين».
وأرشدَ من بُلِيَ بشيءٍ من وسوسة التَّسلسل في الفاعلين، إذا قيل له: هذا الله خلقَ الخلْقَ، فمَن خلقَ اللَّه؟ أن يقرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾١[الحديد: ٣].
وكذلك قال ابن عبَّاسٍ لأبي زُمَيل٢ وقد سأله٣: ما شيءٌ أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلَّمُ به. قال فقال لي: أشيءٌ من شكٍّ؟ قلت: بلى، فقال لي: ما نجا من ذلك أحدٌ٤، فإذا وجدتَ في نفسك شيئًا فقلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾٥.
فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التَّسلسل الباطل ببديهة العقل، وأنَّ سلسلة المخلوقات في ابتدائها٦ تنتهي إلى أوَّلٍ ليس قبله شيءٌ، كما تنتهي في آخرها إلى آخرٍ ليس بعده شيءٌ، كما أنَّ ظهوره هو العلوُّ الذي ليس فوقه فيه شيءٌ، وبطونه هو الإحاطة الَّتي لا يكون دونه فيها شيءٌ، ولو كان قبله شيءٌ يكون مؤثِّرًا فيه لكان ذلك هو الرَّبَّ الخلَّاق، ولا بدَّ أن ينتهي الأمر إلى
(١) أخرجه أبو الشيخ في «العظمة» (١١٧) من حديث ابن عمر وأبي سعيد مرفوعًا نحوه، وإسناده ضعيف جدًّا.
(٢) بعدها في المطبوع: «سماك بن الوليد الحنفي». وليست في النسخ.
(٣) ك: «قال له».
(٤) بعدها في المطبوع: «حتى أنزل الله ﷿: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال: فقال لي». وليست في النسخ.
(٥) رواه أبو داود (٥١١٠)، ومن طريقه البيهقي في «الدعوات الكبير» (٦١٣)، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢/ ٢٦٩).