العالم، والمشاركون فيه والمعاوِنون١ عليه وإن كانوا هم الأقلِّين٢ عددًا فهم الأعظمون عند الله قدرًا.
ولما كان من أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِض، مثل أن يَتكلَّم به عند من يَخاف سطوتَه٣ وأذاه= كان للرسل٤ ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ من ذلك الحظُّ الأوفر، وكان لنبيِّنا ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه.
ولمّا كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي ﷺ: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله٥، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»٦ = كان جهاد النفس مقدَّمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما٧ لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمِرتْ به وتتركَ
(١) ج، ن: «العاضُّون»، والمثبت من سائر الأصول.
(٢) ج: «الأقلُّون»، وله وجه، والمثبت هو جادّة المؤلف وشيخه، وبه جاء التنزيل.
(٣) ضبطت الجملة في ز هكذا: «يُتكلم ... تُخاف سطوتُه».
(٤) ج: «للرسول»، ثم سقط إلى قوله: «لنبيِّنا».
(٥) المطبوع: «في طاعة الله» وفاقًا لبعض روايات الحديث كما سيأتي.
(٦) أخرجه أحمد (٢٣٩٥١، ٢٣٩٥٨) والترمذي (١٦٢١) والنسائي في «الكبرى» (١١٧٩٤) وابن حبان (٤٦٢٤، ٤٧٠٦، ٤٨٦٢) والحاكم (١/ ١٠ - ١١) من حديث فَضالة بن عبيد ﵁ بنحوه. قال الترمذي: حديث فَضالة حديث حسن صحيح. ولفظه في الشطر الأول: «في طاعة الله»، وفي بعض الروايات: «في الله»، وفي بعضها: «لله». ولفظه في الشطر الثاني: «هجر الخطايا والذنوب»، وصحَّ باللفظ المذكور من حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري (١٠).
(٧) ز: «لمّا»، تصحيف.
ما نُهِيتْ عنه، ويحارِبْها في الله= لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، وكيف يمكنه جهاد عدوِّه والانتصافُ منه وعدوُّه الذي بين جنبَيه قاهرٌ له متسلِّط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله١؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج.
فهذان عدوَّان قد امتُحن العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبِّط العبدَ عن جهادهما ويَخْذُله ويَرجُف به، ولا يزال يخيِّل له ما في جهادهما من المشاقِّ وتركِ الحظوظ وفوت اللذَّات والمشتهَيات، ولا يمكنه يجاهد٢ ذينك العدوَّين إلا بجهاده= كان٣ جهاده هو الأصلَ لجهادهما، وهو الشيطان؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾[فاطر: ٦]. والأمر باتخاذه عدوًّا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، فإنه٤ عدو لا يَفْتُر ولا يَقْصُر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.
فهذه ثلاثة أعداءٍ أُمِر العبدُ بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي العبد بمحاربتها في هذه الدار وسُلِّطت عليه امتحانًا من الله له٥ وابتلاءً،
(١) ز: «في ذات الله».
(٢) كذا في جميع الأصول دون «أن». وفي ق، هامش ج: «جهاد».
(٣) ز: «وكان»، وفي النسخ المطبوعة: «فكان». والمثبت من سائر الأصول، ولعل المؤلف كتبه على توهّم تقدُّم «لمَّا» قبله، كما عبّر في الفقرة السابقة بقوله: «ولمّا كان جهاد أعداء الله ... = كان جهاد النفس مقدَّمًا».
(٤) المثبت من م، ق، ب. وفي سائر الأصول والمطبوع: «كأنه».