وأُعطِي العبد مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأُعطي أعداؤُه مددًا وعُدَّةً وأعوانًا وسلاحًا، وبُلي أحدُ الفريقين بالآخر وجُعل بعضهم لبعض فتنةً؛ ليبلو أخبارَهم ويَمتحن من يتولَّاه ويتولى رسلَه ممن يتولَّى الشيطانَ وحزبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾[الفرقان: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾[محمد: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾[محمد: ٣١]، فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقُوى، وأنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله، وأمدهم بملائكته وقال لهم: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾[الأنفال: ١٢]، وأمرهم مِن أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدُوِّه١، وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوِّه وعدوِّهم، وأنه إن سُلِّط٢ عليهم فلِتَرْكهم بعضَ ما أمروا به ومعصيتهم له، ثم لم يُؤْيِسْهم ولم يقنِّطْهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم ويداوُوا جراحهم ويعودوا إلى مناهضة عدوِّهم= يَنصُرْهم عليهم ويُظفِّرهم بهم، وأخبرهم أنه مع المتقين منهم ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين، وأنه يَدْفَع عن عباده المؤمنين ما لا يَدْفعون عن أنفسهم٣، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعُه لتخطفهم عدوهم واجتاحهم.
(١) ج، ن: «عدوِّهم».
(٢) ص، ز، ج، ن: «سلَّطه».
(٣) ص، ز، ج، ن: «نفوسهم».
وهذه المدافعة عنهم بحَسَب إيمانهم وعلى قَدْرِه، فإنْ قويَ الإيمانُ قويت المدافعة، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
وأَمَرهم أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته. وكما أن حقَّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر= فحق جهاده أن يجاهدَ نفسه ليُسْلِمَ قلبُه ولسانُه وجوارحُه لله١ وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهدَ شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه، فإنه يعِدُ الأماني ويُمنِّي الغرور، ويَعِد الفقر ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى والتقى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان كلِّها، فجهاده بتكذيب وعده ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوّةٌ وسلطانٌ وعدَّةٌ يجاهِدُ بها أعداءَ الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا.
واختلفت عبارات السلف في حقِّ الجهاد٢:
- فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه، وأن لا يخافَ في الله لومة لائم.