زاد المعاد

وهذه المدافعة عنهم بحَسَب إيمانهم وعلى قَدْرِه، فإنْ قويَ الإيمانُ قويت المدافعة، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.

وأَمَرهم أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته. وكما أن حقَّ تقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر= فحق جهاده أن يجاهدَ نفسه ليُسْلِمَ قلبُه ولسانُه وجوارحُه لله١ وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهدَ شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه، فإنه يعِدُ الأماني ويُمنِّي الغرور، ويَعِد الفقر ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى والتقى والعفة والصبر وأخلاق الإيمان كلِّها، فجهاده بتكذيب وعده ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوّةٌ وسلطانٌ وعدَّةٌ يجاهِدُ بها أعداءَ الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا.

واختلفت عبارات السلف في حقِّ الجهاد٢:

- فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه، وأن لا يخافَ في الله لومة لائم.

- وقال مقاتل: اعملوا لله بالحقِّ٣ حقَّ عمله، واعبدوه حقَّ عبادته.

  1. (١) بعده في ج، ن، المطبوع: «فيكون كله لله»، وهو مضروب عليه في ص، ولا يوجد في سائر النسخ.
  2. (٢) الأقوال الآتية في «الكشف والبيان» للثعلبي (١٨/ ٤١٢ - ٤١٣) ط. دار التفسير، والمؤلف صادر عنه أو عن مختصره: «معالم التنزيل» للبغوي (٥/ ٤٠٢). وانظر: «تفسير مقاتل» (٢/ ٣٩١) و«تفسير الطبري» (٥/ ٦٤٠)، (١٦/ ٦٣٩، ٦٤٠).
  3. (٣) «بالحق» سقط من المطبوع.
9

- وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى.

ولم يُصِب من قال: إن الآيتين منسوختان لظنِّه أنهما تضمَّنتا١ الأمرَ بما لا يطاق. وحقُّ تقاته وحقُّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلَّفين في القدرة والعجز والعلم والجهل، فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل والضعيف شيء.

وتأمَّلْ كيف عَقَّب الأمرَ بذلك بقوله: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ [الحج: ٧٨]ــ والحرج: الضيق ــ، بل جعله واسعًا يَسَعُه كلُّ أحدٍ كما جعل رزقَه يسعُ كلَّ حيٍّ، فكلَّف العبد ما٢ يسعه العبدُ ورزق العبدَ ما يسعُ العبدَ، فهو يسع تكليفَه ويسعه رزقُه، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجهٍ ما؛ قال النبي ﷺ: «بُعثِتُ بالحنيفيَّةِ السَّمْحة»٣ أي: بالملة، فهي حنيفيَّة في التوحيد سمحة في العمل.

وقد وسَّع سبحانه على عباده غايةَ التوسعة في دينه ورزقه وعفوه

  1. (١) م، ق، ب، ج: «تضمَّنا».
  2. (٢) م، ب، ك، ع: «وكلَّف العبد بما».
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢٢٢٩١) من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف. وله عدّة شواهد مسندة ومرسلة يصحُّ بها، منها حديث عائشة عند أحمد (٢٤٨٥٥) بنحوه، وحديث ابن عباس عند أحمد (٢١٠٧) والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٨٧) بلفظ: سئل النبي ﷺ أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة»، وقد علّقه البخاري في كتاب الإيمان فقال: «باب الدين يسر وقول النبي ﷺ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٤١ - ٤٣).
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي