زاد المعاد

- وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى.

ولم يُصِب من قال: إن الآيتين منسوختان لظنِّه أنهما تضمَّنتا١ الأمرَ بما لا يطاق. وحقُّ تقاته وحقُّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلَّفين في القدرة والعجز والعلم والجهل، فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل والضعيف شيء.

وتأمَّلْ كيف عَقَّب الأمرَ بذلك بقوله: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ [الحج: ٧٨]ــ والحرج: الضيق ــ، بل جعله واسعًا يَسَعُه كلُّ أحدٍ كما جعل رزقَه يسعُ كلَّ حيٍّ، فكلَّف العبد ما٢ يسعه العبدُ ورزق العبدَ ما يسعُ العبدَ، فهو يسع تكليفَه ويسعه رزقُه، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجهٍ ما؛ قال النبي ﷺ: «بُعثِتُ بالحنيفيَّةِ السَّمْحة»٣ أي: بالملة، فهي حنيفيَّة في التوحيد سمحة في العمل.

وقد وسَّع سبحانه على عباده غايةَ التوسعة في دينه ورزقه وعفوه

  1. (١) م، ق، ب، ج: «تضمَّنا».
  2. (٢) م، ب، ك، ع: «وكلَّف العبد بما».
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢٢٢٩١) من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف. وله عدّة شواهد مسندة ومرسلة يصحُّ بها، منها حديث عائشة عند أحمد (٢٤٨٥٥) بنحوه، وحديث ابن عباس عند أحمد (٢١٠٧) والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٨٧) بلفظ: سئل النبي ﷺ أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة»، وقد علّقه البخاري في كتاب الإيمان فقال: «باب الدين يسر وقول النبي ﷺ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٤١ - ٤٣).
10

ومغفرته؛ فبسط عليهم التوبة ما دامت الرُّوح في الجسد وفتح لهم بابًا لها لا يغلقه عنهم إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وجعل لكل سيئة كفارةً تكفِّرُها من توبةٍ أو صدقةٍ أو حسنة ماحية أو مصيبة مكفِّرةٍ، وجعل لِكُلِّ ما حرَّم عليهم عوضًا من الحلال أنفعَ لهم منه وأطيبَ وألذَّ يقوم مقامه ليستغني العبدُ عن الحرام ويسعه الحلالُ فلا يَضِيق عنه، وجعل لكل عُسْرٍ يمتحنهم به يُسْرًا قَبْله ويسرًا بعده، فلن يغلب عسرٌ يُسرَين، فإذا كان هذا شأنه مع عباده فكيف يكلِّفهم ما لا يسعهم، فضلًا عمَّا لا يطيقونه ولا يقدرون عليه؟!

فصل

إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا:

أحدها١: أن يجاهدها على تعلُّم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلْمُه شقيت في الدارين.

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرَّها لم ينفعها.

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه لمن لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه عِلْمُه ولا يُنْجيه من عذاب الله.

  1. (١) في المطبوع: «إحداها» على الجادة، والمثبت من الأصول له نظائر في كتب المؤلف.
11

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي