وأما جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبِدَع فثلاث مراتب، الأولى٢: باليد إذا قَدَر، فإن عَجَز انتقل إلى اللسان، فإن عَجَز جاهد بقلبه.
فهذه ثلاثَ عَشْرةَ٣ مرتبةً من الجهاد؛ ومن مات ولم يَغْزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق٤.
فصل
ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرةُ والجهادُ إلا بالإيمان، والراجون رحمةَ الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[البقرة: ٢١٨].
وكما أن الإيمان فرضٌ على كل أحد ففرضٌ٥ عليه هجرتان في كل
(١) ك، ع: «اختصّ باليد ... اختصّ باللسان»، تصحيف.
(٢) في الأصول عدا م، ق، ب: «الأول».
(٣) م، ب، ج: «ثلاثة عشرة». ق، ن: «ثلاثة عشر».
(٤) كما في حديث أبي هريرة عند أحمد (٨٨٦٥) ومسلم (١٩١٠).
(٥) ك، ع: «الفرض».
وقت: هجرةٌ إلى الله ﷿ بالإخلاص١ والتوحيد والإنابة والتوكُّل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة، وهجرةٌ إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق لخبره٢ وتقديمِ أمره وخبره على أمر غيره وخبره؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدُنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه٣.
وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله وجهادُ شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحدٌ عن أحد.
وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصوده.
فصل
وأكمل الخلق عند الله ﷿ من كمَّل مراتب الجهاد كلَّها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتَهم في مراتب الجهاد. ولهذا كان أكملُ الخلق وأكرمُهم على الله خاتمَ أنبيائه ورسله، فإنه كمَّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بُعِث إلى أن توفاه الله ﷿، فإنه لما أنزل الله عليه: ﴿رَحِيمٌ ٢٠ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ قُمْ فَأَنْذِرْ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ٣﴾[المدثر: ١ - ٤] شمَّر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتمَّ القيام٤
(١) من «فرضٌ» إلى هنا ساقط من ق.
(٢) ز، ن: «بخبره»، وكذا في المطبوع.
(٣) مقتبس من حديث عمر المشهور المتفق عليه: «إنما الأعمال بالنيات ...».