زاد المعاد

ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا وسِرًّا وجهارًا، ولمَّا نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] صَدَع بأمر الله لا تأخذه فيه١ لومة لائم، فدعا إلى الله الكبيرَ والصغير، والحرَّ والعبد، والذكرَ والأنثى، والأحمرَ والأسود، والجن والإنس.

ولمَّا صدع بأمر الله، وصرَّح لقومه بالدعوة، وبادأهم٢ بسبِّ آلهتهم وعيبِ دينهم= اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه ونالوهم٣ بأنواع الأذى. وهذه سنة الله ﷿ في خلقه، كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ٥٢ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].

فعزَّى سبحانه نبيه بذلك وأن له أسوةً بمن تقدمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله: ﴿آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ٢١٤ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقولِه: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ

  1. (١) ب، ز: «في الله».
  2. (٢) ب، ز، المطبوع: «ناداهم»، تصحيف.
  3. (٣) المطبوع: «ونالوه ونالوهم» زيادة على ما في الأصول.
15

(٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)]١

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [العنكبوت: ١ - ١٠]٢.

فليتأمل العبدُ سياقَ هذه الآيات وما تضمنته٣ من العبر وكنوز الحكم، فإن الناس إذا أُرسِل إليهم الرُّسُل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنَّا، وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر٤، فمن قال: آمنَّا امتحنه ربُّه وابتلاه وفَتَنه ــ والفتنة: الابتلاء والاختبار ــ ليتبيَّن الصادقُ من الكاذب، ومن لم يقل: آمنَّا فلا يحسب أنه يُعجز الله ويفوته ويسبقه، فإنه إنما يطوي٥ المراحلَ في يديه.

  1. (١) الآيتان بين الحاصرتين أخلت بهما جميع الأصول، ولعلهما سقطتا على المؤلف سهوًا ..
  2. (٢) انظر: «تفسير أول سورة العنكبوت» لشيخ الإسلام (٣/ ٢٥٣ - جامع المسائل)، فإن المؤلف أفاد منه في الكلام على هذه الآيات.
  3. (٣) ص، ز، ج، ن: «تضمّنت».
  4. (٤) «والكفر» ساقطة من ج، ن. وفي ع: «على الشقاق والكفر».
  5. (٥) ج: «نظر من»، وكذا كان في ص ثم أُصلح «نظر» إلى «نظوي»، وبقيت «من» وهي محرّفة عن الياء في الأصل. وفي ز: «يطوي مِن»، ولعل زيادة «من» منشؤها ما في ص.
16

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي