زاد المعاد

(٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)]١

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [العنكبوت: ١ - ١٠]٢.

فليتأمل العبدُ سياقَ هذه الآيات وما تضمنته٣ من العبر وكنوز الحكم، فإن الناس إذا أُرسِل إليهم الرُّسُل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنَّا، وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر٤، فمن قال: آمنَّا امتحنه ربُّه وابتلاه وفَتَنه ــ والفتنة: الابتلاء والاختبار ــ ليتبيَّن الصادقُ من الكاذب، ومن لم يقل: آمنَّا فلا يحسب أنه يُعجز الله ويفوته ويسبقه، فإنه إنما يطوي٥ المراحلَ في يديه.

  1. (١) الآيتان بين الحاصرتين أخلت بهما جميع الأصول، ولعلهما سقطتا على المؤلف سهوًا ..
  2. (٢) انظر: «تفسير أول سورة العنكبوت» لشيخ الإسلام (٣/ ٢٥٣ - جامع المسائل)، فإن المؤلف أفاد منه في الكلام على هذه الآيات.
  3. (٣) ص، ز، ج، ن: «تضمّنت».
  4. (٤) «والكفر» ساقطة من ج، ن. وفي ع: «على الشقاق والكفر».
  5. (٥) ج: «نظر من»، وكذا كان في ص ثم أُصلح «نظر» إلى «نظوي»، وبقيت «من» وهي محرّفة عن الياء في الأصل. وفي ز: «يطوي مِن»، ولعل زيادة «من» منشؤها ما في ص.
16
وكيف يفرُّ المرء عنه بذنبهإذا كان يَطوي في يديه المراحلا١؟٢

فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذَوه فابتُلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم ولم يُطِعْهم عوقب في الدنيا والآخرة فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم أعظمَ وأدومَ من ألم اتِّباعهم. فلا بد من حصول الألم لكلِّ نفسٍ آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمُعْرِض عن الإيمان تحصل له اللذةُ ابتداءً ثم يصير في الألم الدائم.

وسئل الشافعي: أيما أفضل للرجل أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يُمكَّن حتى يبتلى. والله ﷿ ابتلى أولي العزم من رُسُله، فلما صبروا مكَّنهم، فلا يظنَّ أحد أنه يَخْلُص من الألم البتة، وإنما تفاوَت أهلُ الآلام في العقول٣، فأعقلهم من باع ألمًا مستمرًّا عظيمًا بألمٍ منقطع يسير، وأسْفَهُهم٤ من باع الألمَ المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر.

  1. (١) ص، ز، المطبوع: «تُطوى ... المراحلُ»، والمثبت من سائر النسخ موافق للمصادر الآتية.
  2. (٢) البيت لأبي العرب الصقلِّي (ت ٥٠٦) باختلاف يسير في «تاريخ الإسلام» (١١/ ٨٣) و«فوات الوفيات» (٤/ ١٤٥). وقد أنشده المؤلف أيضًا في «طريق الهجرتين» (١/ ٢٧١).
  3. (٣) ك، ع: «بالعقول».
  4. (٤) ج: «أسعدهم». ن، المطبوع: «أشقاهم»، وكلاهما تصحيف.
17

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي