مؤنة الناس، ومن أرضى الناسَ بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئًا١.
ومن تأمل أحوال العالم رأى هذا كثيرًا فيمن يُعين الرؤساءَ على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يعين أهلَ البدع على بِدَعهم٢ هربًا من٣ عقوبتهم، فمن هداه الله وألهمه رُشْدَه ووقاه شرَّ نفسه امتنع من الموافقة على فعل المحرَّم وصبر على عداوتهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما كانت الرسلُ٤ وأتباعُهم كالمهاجرين والأنصار، ومن ابتلي من العلماء والعباد وصالحي الولاة والتجار وغيرِهم.
ولما كان الألم لا مَخْلَص٥ منه البتة عزَّى سبحانه مَن اختار الألم اليسير المنقطع على العظيم المستمر بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾[العنكبوت: ٥]، فضرب لمدة هذا الألم أجلًا لا بد أن يأتي وهو يوم لقائه، فيلتذُّ العبدُ أعظمَ لذَّةٍ بما تحمَّل من الألم من أجله وفي مرضاته، وتكون لذَّتُه وسروره وابتهاجه بقدرِ ما تحمَّل من الألم في الله ولله.
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١٤) وأحمد في «الزهد» (٩١٠) وأبو داود أيضًا في «الزهد» (٣٢٩) وأبو القاسم البغوي في «حديث ابن الجعد» (١٥٩٣) عن عائشة موقوفًا عليها بأسانيد صحاح. ورُوي ذلك مرفوعًا عنها عند الترمذي (٢٤١٤) وابن حبان (٢٧٦، ٢٧٧) وغيرهما، ولا يصحّ. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٨٠٠) وللدارقطني (٣٥٢٤) و«الضعفاء» للعقيلي (٤/ ٤٣٦).
(٢) ص، ز: «بدعتهم».
(٣) ص، ج: «هو يأمن»، تحريف، وكذا كُتب في ز ثم أُصلح.
(٤) ص، ز، ج، المطبوع: «للرسل».
(٥) ز: «يُخلَص». والمطبوع: «محيص»، تصحيف لأنه يقتضي أن يليه «عنه».
وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه١ ليَحمِل العبدَ اشتياقُه إلى لقاء ربه ووليِّه على تحمُّلِ مشقة الألم العاجل، بل ربما غيَّبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به، ولهذا سأل النبيُّ ﷺ ربَّه الشوقَ إلى لقائه فقال في الدعاء الذي رواه أحمد وابن حبان٢: «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيِني إذا كانت الحياةُ خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي، وأسألك خشيتَك في الغيبِ والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقِّ في الغضب والرضى، وأسألك القصدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وأسألك قُرَّةَ عَينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك بردَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوقَ إلى لقائك في غيرِ ضرَّاءَ مُضرَّةٍ ولا فتنةٍ مُضلَّة، اللهم زَيِّنَّا بزينة الإيمان واجعلنا هداةً مهتدين».
فالشوق يحمِل المشتاقَ على الجِدِّ في السَّير إلى محبوبه، ويقرِّب عليه الطريق ويطوي له البُعدَ٣ ويُهوِّن عليه الآلام والمشاقَّ، وهو من أعظم نعمة أنعمها الله٤ على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوالٌ وأعمال هما السبب الذي تُنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم
(١) م، ق، ب: «لقاء ربه».
(٢) أحمد (١٨٣٢٥) وابن حبّان (١٩٧١)، وأخرجه أيضًا النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) والحاكم (١/ ٥٢٤)، من طريقين عن عمّار بن ياسر ﵁. وهو حديث صحيح. وفي الباب عن زيد بن ثابت وفَضالة بن عُبيد مرفوعًا، وعن عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه.
(٣) ص، ز، ك، ع، ن: «البعيد».
(٤) ص، ز، ج، ن: «أنعم الله بها»، والمثبت ورد في هامش ص أيضًا وكتب عليه: «الأصل».