وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه١ ليَحمِل العبدَ اشتياقُه إلى لقاء ربه ووليِّه على تحمُّلِ مشقة الألم العاجل، بل ربما غيَّبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به، ولهذا سأل النبيُّ ﷺ ربَّه الشوقَ إلى لقائه فقال في الدعاء الذي رواه أحمد وابن حبان٢: «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيِني إذا كانت الحياةُ خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي، وأسألك خشيتَك في الغيبِ والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقِّ في الغضب والرضى، وأسألك القصدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا يَنْفَد، وأسألك قُرَّةَ عَينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك بردَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوقَ إلى لقائك في غيرِ ضرَّاءَ مُضرَّةٍ ولا فتنةٍ مُضلَّة، اللهم زَيِّنَّا بزينة الإيمان واجعلنا هداةً مهتدين».
فالشوق يحمِل المشتاقَ على الجِدِّ في السَّير إلى محبوبه، ويقرِّب عليه الطريق ويطوي له البُعدَ٣ ويُهوِّن عليه الآلام والمشاقَّ، وهو من أعظم نعمة أنعمها الله٤ على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوالٌ وأعمال هما السبب الذي تُنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم
(١) م، ق، ب: «لقاء ربه».
(٢) أحمد (١٨٣٢٥) وابن حبّان (١٩٧١)، وأخرجه أيضًا النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) والحاكم (١/ ٥٢٤)، من طريقين عن عمّار بن ياسر ﵁. وهو حديث صحيح. وفي الباب عن زيد بن ثابت وفَضالة بن عُبيد مرفوعًا، وعن عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه.
(٣) ص، ز، ك، ع، ن: «البعيد».
(٤) ص، ز، ج، ن: «أنعم الله بها»، والمثبت ورد في هامش ص أيضًا وكتب عليه: «الأصل».
بمن يصلح لهذه النعمة ويشكرها ويعرفُ قدرَها ويحبُّ المنعم عليها١، فتَصْلُح٢ عنده هذه النعمة٣، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾[الأنعام: ٥٣]. فإذا فاتت العبدَ نعمةٌ من نِعَم ربه فليقرأ على نفسه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
ثم عزَّاهم تعالى بعزاءٍ آخر٤، وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، وثمرته عائدة عليهم، وأنه غني عن العالمين، ومصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا إليه سبحانه، ثم أخبر أنه يُدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين.
ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرةٍ٥، وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له ــ وهي أذاهم له ونيلهم إياه بالمكروه والألم الذي لا بد أن يناله الرسلُ وأتباعُهم ممن خالفهم ــ، جعل ذلك في فراره منه وتركه
(١) أي يحبُّ العبدُ ربَّه على هذه النعمة. وفي المطبوع: «عليه»، وفي ز ضرب بعضهم على «عليها» وكتب فوقه: «عليه بها»، وكلُّ ذلك توهّمًا أن الضمير يرجع إلى العبد وأن الجار متعلق بـ «المنعم»، وليس كذلك، وإنما يرجع الضمير إلى النعمة ويتعلّق الجار بـ «يحبُّ».
(٢) ج: «فيضع»، تصحيف.
(٣) بعده في المطبوع: «ويصلح بها»، وليست في الأصول.
(٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ في مطلع سورة العنكبوت.