فيمر به ورقة بن نوفل فيقول: إي والله يا بلال! أحدٌ أحدٌ، أما والله لئن قتلتموه لأتخذنَّه حنانًا١.
فصل
ولما اشتد أذى المشركين على من آمن، وفُتِن منهم٢ من فتن حتى يقولوا لأحدهم: اللَّات٣ إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجُعَل ليمرُّ بهم فيقولون: وهذا إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم٤.
ومرَّ عدوُّ الله أبو جهل بسُميَّةَ أمِّ عمار بن ياسر ــ وهي تُعذَّب وزوجَها وابنَها ــ فطعنها بحربةٍ في فرجها فقتلها٥.
وكان الصدِّيقُ إذا مرَّ بأحدٍ من العبيد يعذَّب اشتراه منهم وأعتقه، منهم: بلال، وعامر بن فُهَيرة، وأم عُبَيس، وزِنِّيرة، والنَّهْدية، وابنتها، وجاريةٌ لبني عدي٦ كان عمر يُعذِّبها على الإسلام قبل إسلامه. وقال له أبوه: يا بُنيَّ أراك
(١) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣١٨) ــ عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه مرسلًا. وقوله: «حنانًا» أي مظنَّة حنانٍ من الله فأتمسَّح بقبره متبركًا، كما كانت النصارى تفعل بقبور صالحيهم. انظر: «النهاية» (حنن).
(٢) «منهم» ساقطة من ص. وفي ك، ع تقدَّمت إلى «آمن».
(٣) زِيد في المطبوع: «والعزّى» أخذًا من «سيرة ابن هشام»، وليس في الأصول.
(٤) أسنده ابن إسحاق ــ كما عند ابن هشام (١/ ٣٢٠) ــ عن ابن عباس بإسناد ضعيف.
(٥) فكانت أوَّلَ شهيدٍ في الإسلام. انظر: «مصنف بن أبي شيبة» (٣٤٥٧٠) و«طبقات ابن سعد» (١٠/ ٢٥١).
(٦) ص، ز، ج، ن: «ابن عدي»، وتصحّفت أيضًا بعض الأسماء السابقة في بعض الأصول، والتصحيح من كتب السيرة والتاريخ.
تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك أعتقت قومًا جُلُدًا يمنعونك، فقال له أبو بكر: «إني أريد ما أريد»١.
فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة. وكان أولُ من هاجر إليها عثمانَ بن عفان، ومعه زوجتُه رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربعَ نسوة: عثمان وامرأته، وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، والزبير، [ومصعب بن عمير]٢، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود٣.
خرجوا متسلِّلين سرًّا فوفَّق الله لهم ساعةَ وصولهم إلى الساحل سفينتَين للتجَّار فحملوهم فيها٤ إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجبٍ من٥ السنة الخامسة من المبعث. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا.
(١) «سيرة ابن هشام» (١/ ٣١٨ - ٣١٩). وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٣١٩٣٩) و«معرفة الصحابة» لأبي نُعيم (٨٠٠٦) و«الإصابة» (٦/ ٢٧٦).
(٢) أخلّت به الأصول، واستدرك من المطبوع ومصادر السيرة، وبه يكتمل العدد.
(٣) انظر: «الطبقات» لابن سعد (١/ ١٧٣)، ولعل المؤلف صادر عن «السيرة النبوية» (ق ٢٩ ــ نسخة شستربيتي) للحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي (ت ٧٠٥)، وسيأتي تصريح المؤلف بالنقل منه في بعض المواضع.
(٤) «فيها» ساقطة من ك، ع. والوجه: «فيهما» كما في المطبوع.