زاد المعاد

تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك أعتقت قومًا جُلُدًا يمنعونك، فقال له أبو بكر: «إني أريد ما أريد»١.

فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة. وكان أولُ من هاجر إليها عثمانَ بن عفان، ومعه زوجتُه رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربعَ نسوة: عثمان وامرأته، وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، والزبير، [ومصعب بن عمير]٢، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود٣.

خرجوا متسلِّلين سرًّا فوفَّق الله لهم ساعةَ وصولهم إلى الساحل سفينتَين للتجَّار فحملوهم فيها٤ إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجبٍ من٥ السنة الخامسة من المبعث. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا.

  1. (١) «سيرة ابن هشام» (١/ ٣١٨ - ٣١٩). وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٣١٩٣٩) و«معرفة الصحابة» لأبي نُعيم (٨٠٠٦) و«الإصابة» (٦/ ٢٧٦).
  2. (٢) أخلّت به الأصول، واستدرك من المطبوع ومصادر السيرة، وبه يكتمل العدد.
  3. (٣) انظر: «الطبقات» لابن سعد (١/ ١٧٣)، ولعل المؤلف صادر عن «السيرة النبوية» (ق ٢٩ ــ نسخة شستربيتي) للحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي (ت ٧٠٥)، وسيأتي تصريح المؤلف بالنقل منه في بعض المواضع.
  4. (٤) «فيها» ساقطة من ك، ع. والوجه: «فيهما» كما في المطبوع.
  5. (٥) ص، ز، ج، ن: «في».
28

ثم بلغهم أن قريشًا قد كفُّوا عن النبي ﷺ فرجعوا، فلما كانوا دون مكة بساعةٍ من نهار بلغهم أن قريشًا أشدُّ ما كانوا عداوةً لرسول الله ﷺ، فدخل من دخل منهم بجوارٍ. وفي تلك المرة دخل ابنُ مسعودٍ فسلَّم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فلم يردَّ عليه١، فتعاظم ذلك على ابن مسعود حتى قال له النبي ﷺ: «إن الله قد أحدث مِن أمره أن لا تَكلَّموا في الصلاة»٢.

هذا هو الصواب، وزعم ابنُ سعد٣ وجماعة أن ابن مسعود لم يدخل، وأنه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة الثانية إلى المدينة مع من قدم. ورُدَّ هذا بأن ابن مسعود شهد بدرًا وأَجْهَزَ على أبي جهل٤، وأصحابُ هذه الهجرة إنما قدموا المدينة مع جعفرٍ وأصحابه بعد بدر بأربعِ سنين أو خمسٍ٥.

قالوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قولَ زيد بن أرقم: «كنا نقوم في الصلاة فيكلِّم الرجلُ جليسَه حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام»٦. وزيد بن أرقم من

  1. (١) «عليه» ساقطة من ص، ج، ز، ن.
  2. (٢) أخرجه أحمد (٣٥٧٥) وأبو داود (٩٢٤) وابن حبان (٢٢٤٣)، وعلّقه البخاري عن ابن مسعود مجزومًا به في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي﴾.
  3. (٣) في «الطبقات» (١/ ١٧٥) فيما أسنده عن شيخه الواقدي عن محمد بن عبد الله (ابن أخي الزهري)، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلًا.
  4. (٤) كما في البخاري (٣٩٦١، ٣٩٦٢) من حديث ابن مسعود وأنس، وسيأتي مفصلًا في أحداث الغزوة.
  5. (٥) وذلك حين افتتح النبي ﷺ خيبر، كما في البخاري (٤٢٣٠) من حديث أبي موسى الأشعري.
  6. (٦) أخرجه البخاري (١٢٠٠، ٤٥٣٤) ومسلم (٥٣٩) بنحوه.
29

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي