فيكون لهم ثلاث قَدَمات: قدمة قبل الهجرة، وقدمة قبل بدر، وقدمة عام خيبر، وكذلك قال ابن سعد١ وغيره: إنهم لما سمعوا مهاجَرَ رسول الله ﷺ إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا ومن النساء ثماني نسوةٍ، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة نَفَرٍ، وشهد بدرًا منهم أربعة وعشرون٢ رجلًا.
فلما كان شهرُ ربيع الأول سنة سبع من هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة كتب رسول الله ﷺ كتابًا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام وبعث به مع عمرو بن أُميَّة الضَّمْري، فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وقال: لو قدرت أن آتيه لأتيتُه.
وكتب إليه أن يُزوِّجَه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فتنصَّر هناك ومات، فزوَّجه النجاشيُّ إياها وأصدقها عنه أربعمائة دينار٣، وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص.
وكتب إليه رسول الله ﷺ أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملَهم، ففعل وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أميَّة الضَّمْري، فقدموا
(١) في «طبقاته»، والفقرات الآتية فيه أيضًا ضمن ما أسنده عن شيخه الواقدي بأسانيده. والنقل بواسطة «سيرة الدمياطي».
(٢) ك، ع: «سبعة وعشرون»، خطأ.
(٣) كما يدل عليه حديثها عند أحمد (٢٧٤٠٨) وأبي داود (٢١٠٧) والنسائي (٣٣٥٠)، ففيه أن النجاشي أصدقها أربعة آلاف درهم، وهو في الصرف يساوي أربعمائة دينار.
على رسول الله ﷺ بخيبر فوجدوه قد فتحها، فكلَّم رسولُ الله ﷺ المسلمين أن يدخلوهم في سُهمانهم١ ففعلوا٢.
وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بين٣ حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، ويكون ابن مسعود قدم في المرة الوسطى بعد الهجرة قبل بدرٍ إلى المدينة، وسلَّم عليه حينئذ فلم يردَّ عليه، وكان العهد حديثًا بتحريم الكلام كما قال زيد بن أرقم، ويكون تحريمُ الكلام بالمدينة لا بمكة. وهذا أنسب بالنسخ الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة، كجعلها أربعًا بعد أن كانت ركعتين ووجوبِ الاجتماع لها.
فإن قيل: ما أحسنَه من جمعٍ وأبينَه لولا أن محمد بن إسحاق قد قال ما حكيتم عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه من الحبشة حتى هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا، وهذا يدفع ما ذكرتم.
قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا، فقد قال محمد بن سعد في «طبقاته»٤: إن ابنَ مسعود مكث يسيرًا بعد مَقْدَمِه ثم رجع إلى أرض الحبشة. وهذا هو الأظهر؛ لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة من يَحمِيه، وما
(١) ن، المطبوع: «سهامهم».
(٢) هنا انتهى النقل من «الطبقات الكبير». وإسهامُ النبي ﷺ للقادمين من الحبشة قد ثبت في البخاري (٣١٣٦) ومسلم (٢٥٠٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وسيأتي مفصّلًا في أحداث الغزوة.