زاد المعاد

على رسول الله ﷺ بخيبر فوجدوه قد فتحها، فكلَّم رسولُ الله ﷺ المسلمين أن يدخلوهم في سُهمانهم١ ففعلوا٢.

وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بين٣ حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، ويكون ابن مسعود قدم في المرة الوسطى بعد الهجرة قبل بدرٍ إلى المدينة، وسلَّم عليه حينئذ فلم يردَّ عليه، وكان العهد حديثًا بتحريم الكلام كما قال زيد بن أرقم، ويكون تحريمُ الكلام بالمدينة لا بمكة. وهذا أنسب بالنسخ الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة، كجعلها أربعًا بعد أن كانت ركعتين ووجوبِ الاجتماع لها.

فإن قيل: ما أحسنَه من جمعٍ وأبينَه لولا أن محمد بن إسحاق قد قال ما حكيتم عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه من الحبشة حتى هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا، وهذا يدفع ما ذكرتم.

قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا، فقد قال محمد بن سعد في «طبقاته»٤: إن ابنَ مسعود مكث يسيرًا بعد مَقْدَمِه ثم رجع إلى أرض الحبشة. وهذا هو الأظهر؛ لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة من يَحمِيه، وما

  1. (١) ن، المطبوع: «سهامهم».
  2. (٢) هنا انتهى النقل من «الطبقات الكبير». وإسهامُ النبي ﷺ للقادمين من الحبشة قد ثبت في البخاري (٣١٣٦) ومسلم (٢٥٠٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وسيأتي مفصّلًا في أحداث الغزوة.
  3. (٣) ك، ع: «في».
  4. (٤) (١/ ١٧٥).
33

حكاه ابنُ سعد قد تضمن زيادة أمرٍ خفي على ابن إسحاق، وابنُ إسحاق لم يذكر من حدَّثه ومحمد بن سعد أسند ما حكاه إلى المُطَّلِب بن عبدِ الله بن حَنْطَب١، فاتفقت الأحاديث وصدَّق بعضُها بعضًا، وزال عنها الإشكال، ولله الحمد والمنة.

وقد ذكر ابن إسحاق٢ في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعري عبدَ الله بن قيس، وقد أنكر ذلك عليه أهلُ السير، منهم: محمد بن عمر الواقدي٣ وغيره، وقالوا: كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على من دونه؟!

قلت: وليس ذلك مما يخفى على من هو دون محمد بن إسحاق فضلًا عنه، وإنما نشأ الوهم أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفر٤ وأصحابه لما سمع بهم، ثم قدم معهم على رسول الله ﷺ بخيبر، كما جاء مصرحًا به في «الصحيح»٥، فعدَّ ذلك ابنُ إسحاق لأبي

  1. (١) بل إلى التابعي الفقيه أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وأما المطلب بن عبد الله بن حنطب فأسند إليه قصة سبب رجوع المهاجرين من أرض الحبشة. انظر: «الطبقات» (١/ ١٧٤) و«سيرة الدمياطي» (ق ٣٠).
  2. (٢) كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٢٤) في جملة من هاجر إلى الحبشة.
  3. (٣) لم أجد كلام الواقدي في الإنكار عليه. وانظر: «الطبقات» لابن سعد (٤/ ٩٨ - ٩٩) و«الاستيعاب» (٣/ ٩٧٩ - ٩٨٠).
  4. (٤) «إلى عند» شائع في كلام المؤلف وشيخه، وقد عُدَّ لحنًا كما في «درَّة الغوَّاص» (١٩).
  5. (٥) البخاري (٣١٣٦) ومسلم (٢٥٠٢) من حديث أبي موسى، وفيه أنه هو ورهطه الأشعريّون إنما خرجوا من اليمن مهاجرين إلى رسول الله ﷺ ولكن ألقتْهم سفينتُهم إلى أرض الحبشة، فأقاموا هناك مع جعفر وأصحابه حتى قدموا جميعًا حين افتتح خيبر.
34

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي