وإن نخرتم، وإن نخرتم١! ثم قال: اذهبوا فأنتم سُيُوم بأرضي، من سبَّكم غُرِّم. و«السيوم» بلسانهم: الآمنون٢. وقال للرسولين: لو أعطيتموني دَبْرًا من ذهب ــ يقول: جبلًا من ذهب ــ ما أسلمتهم إليكما، ثم أمر فرُدَّت عليهما هداياهما ورجعا مقبوحَين٣.
فصل
ثم أسلم حمزة عمُّه وجماعة كثيرون وفشا الإسلام، فلما رأت قريش أمرَ رسول الله ﷺ يعلو الأمورَ ويتزايد أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب٤ ابنَي عبد مناف٥: أن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يُكلِّموهم، ولا يجالسوهم حتى يُسلِّموا إليهم رسول الله ﷺ. وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في سقف الكعبة يقال: كتبها: منصور بن عكرمة بن٦ عامر بن هاشم، ويقال: النضر بن الحارث، والصحيح: أنه بغيض بن عامر بن هاشم فدعا عليه رسول الله ﷺ فشلَّت يدُه، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنُهم وكافرُهم إلا أبا لهب فإنه ظاهرَ قريشًا على رسول الله ﷺ وبني هاشم وبني المطلب.
(١) لم تتكرّر «وإن نخرتم» في ص، ز، ب، المطبوع.
(٢) ص، ز، ج، ن: «الآمنون بلسانهم».
(٣) مختصر من حديث أم سلمة الطويل عند ابن إسحاق ــ ومن طريقه عند ابن هشام (١/ ٣٣٤ - ٣٣٨) وأحمد (١٧٤٠) وابن راهويه (١٨٣٥) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٣٠١) ــ، وإسناده جيّد.
(٤) ص، ز، ج: «بني عبد المطلب»، خطأ.
(٥) ج والمطبوع: «وبَنِي عبد مناف»، خطأ.
(٦) في الأصول عدا ج، ن: واو العطف بدل «بن»، وهو خطأ.
وحُبس رسول الله ﷺ ومن معه في الشِّعب شعبِ أبي طالب ليلةَ هلالِ المحرَّم سنةَ سبعٍ من البِعثة، وعُلِّقت الصحيفة في جوف الكعبة، وبقُوا محبوسين محصورين مُضيَّقًا عليهم جدًّا مقطوعًا عنهم المِيرة والمادة نحو ثلاث سنين، حتى بلغهم الجَهدُ وسُمِع أصواتُ صبيانهم بالبكاء من١ وراء الشعب.
وهناك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة أولها:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا٢
وكانت٣ قريش في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقض تلك٤ الصحيفة بعضُ من كان كارهًا لها، وكان القائم بذلك هشام بن عمرو بن الحارث بن حُبَيِّب بن نصر بن مالك٥، مشى في ذلك إلى المُطعِم بن عدي
(١) «من» ساقطة من م، ق، ب، ك، ع.
(٢) كذا قال المؤلف، ولم أجد من ذكر أنه قال اللاميَّة في الشعب. والذي ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٢٧٢ - ٢٨٠) أن أبا طالب قالها قبل ذلك يتودَّد فيها أشرافَ قومه ويخبرهم أنه لن يترك النبي ﷺ لشيء أبدًا حتى يهلك دونه، ثم إن هذا الشطر لم يرد في أوَّلها كما قال المؤلف بل في أثنائها، وعجزه: عقوبةَ شرٍّ عاجلًا غير آجلِ وقد ورد هذا الشطر أيضًا في ميميَّة تُروى لأبي طالب يحرِّض فيها أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله ﷺ. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧١).
(٣) ص، ز، ج، ن: «وكان».
(٤) «تلك» ليست في م، ق، ب، ك، ع.
(٥) كذا ساق المؤلف نسبه تبعًا لابن إسحاق، وقال غيره: «... بن حُبيِّب بن جَذِيمة بن مالك». وعلى كلٍّ، كان هشام هذا من المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا بعد الفتح. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧٤) و«الدرر في اختصار المغازي والسير» لابن عبد البر (ص ٥٩ - ٦٠) و«نسب قريش» لمصعب الزبيري (ص ٤٢٩) و«جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ١٦٦ - ١٧٠) و«الإكمال» لابن ماكولا (٢/ ٢٩٨) و«أسد الغابة» (٤/ ٦٢٨) و«الإصابة» (١١/ ٢٣٤).