زاد المعاد

وحُبس رسول الله ﷺ ومن معه في الشِّعب شعبِ أبي طالب ليلةَ هلالِ المحرَّم سنةَ سبعٍ من البِعثة، وعُلِّقت الصحيفة في جوف الكعبة، وبقُوا محبوسين محصورين مُضيَّقًا عليهم جدًّا مقطوعًا عنهم المِيرة والمادة نحو ثلاث سنين، حتى بلغهم الجَهدُ وسُمِع أصواتُ صبيانهم بالبكاء من١ وراء الشعب.

وهناك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة أولها:

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا٢

وكانت٣ قريش في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقض تلك٤ الصحيفة بعضُ من كان كارهًا لها، وكان القائم بذلك هشام بن عمرو بن الحارث بن حُبَيِّب بن نصر بن مالك٥، مشى في ذلك إلى المُطعِم بن عدي

  1. (١) «من» ساقطة من م، ق، ب، ك، ع.
  2. (٢) كذا قال المؤلف، ولم أجد من ذكر أنه قال اللاميَّة في الشعب. والذي ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٢٧٢ - ٢٨٠) أن أبا طالب قالها قبل ذلك يتودَّد فيها أشرافَ قومه ويخبرهم أنه لن يترك النبي ﷺ لشيء أبدًا حتى يهلك دونه، ثم إن هذا الشطر لم يرد في أوَّلها كما قال المؤلف بل في أثنائها، وعجزه:
    عقوبةَ شرٍّ عاجلًا غير آجلِ
    وقد ورد هذا الشطر أيضًا في ميميَّة تُروى لأبي طالب يحرِّض فيها أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله ﷺ. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧١).
  3. (٣) ص، ز، ج، ن: «وكان».
  4. (٤) «تلك» ليست في م، ق، ب، ك، ع.
  5. (٥) كذا ساق المؤلف نسبه تبعًا لابن إسحاق، وقال غيره: «... بن حُبيِّب بن جَذِيمة بن مالك». وعلى كلٍّ، كان هشام هذا من المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا بعد الفتح.
    انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧٤) و«الدرر في اختصار المغازي والسير» لابن عبد البر (ص ٥٩ - ٦٠) و«نسب قريش» لمصعب الزبيري (ص ٤٢٩) و«جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ١٦٦ - ١٧٠) و«الإكمال» لابن ماكولا (٢/ ٢٩٨) و«أسد الغابة» (٤/ ٦٢٨) و«الإصابة» (١١/ ٢٣٤).
37

وجماعةٍ من قريش فأجابوه إلى ذلك، ثم أطلع الله رسولَه على أمر صحيفتهم وأنَّه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميعَ ما فيها من جَوْرٍ وقطيعة وظلم إلا ذكرَ الله ﷿، فأخبر بذلك عمَّه فخرج إلى قريش وأخبرهم بأنَّ ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلَّينا بينكم وبينه وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظُلْمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمرَ كما أخبر به رسول الله ﷺ ازدادوا كفرًا إلى كفرهم، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من الشعب١، قال ابن عبد البر٢: بعد عشرة أعوام من المبعث. قال: ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غيرُ ذلك.

فصل

فلما نُقِضت الصحيفة وافق موتَ خديجة وموت أبي طالب، وبينهما يسير، فاشتد البلاءُ على رسول الله ﷺ من سفهاء قومه، وتجرَّؤوا عليه وكاشفوه بالأذى، فخرج رسولُ الله ﷺ إلى الطائف رجاء أن يُؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم٣، ودعاهم إلى الله ﷿ فلم يرَ من

  1. (١) انظر خبر الصحيفة ونقضها عند موسى بن عُقبة كما في «دلائل النبوة» (٢/ ٣١١)، وابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧٤ - ٣٧٦)، والواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ١٥٩، ١٧٧، ١٧٨).
  2. (٢) «الاستيعاب» (١/ ٣٧ - ٣٨) باختصار وتصرُّف.
  3. (٣) «منهم» ساقطة من ك، ع.
38

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي