زاد المعاد

وجماعةٍ من قريش فأجابوه إلى ذلك، ثم أطلع الله رسولَه على أمر صحيفتهم وأنَّه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميعَ ما فيها من جَوْرٍ وقطيعة وظلم إلا ذكرَ الله ﷿، فأخبر بذلك عمَّه فخرج إلى قريش وأخبرهم بأنَّ ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلَّينا بينكم وبينه وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظُلْمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمرَ كما أخبر به رسول الله ﷺ ازدادوا كفرًا إلى كفرهم، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من الشعب١، قال ابن عبد البر٢: بعد عشرة أعوام من المبعث. قال: ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غيرُ ذلك.

فصل

فلما نُقِضت الصحيفة وافق موتَ خديجة وموت أبي طالب، وبينهما يسير، فاشتد البلاءُ على رسول الله ﷺ من سفهاء قومه، وتجرَّؤوا عليه وكاشفوه بالأذى، فخرج رسولُ الله ﷺ إلى الطائف رجاء أن يُؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم٣، ودعاهم إلى الله ﷿ فلم يرَ من

  1. (١) انظر خبر الصحيفة ونقضها عند موسى بن عُقبة كما في «دلائل النبوة» (٢/ ٣١١)، وابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧٤ - ٣٧٦)، والواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ١٥٩، ١٧٧، ١٧٨).
  2. (٢) «الاستيعاب» (١/ ٣٧ - ٣٨) باختصار وتصرُّف.
  3. (٣) «منهم» ساقطة من ك، ع.
38

يُؤوي ولم يرَ ناصرًا، وآذوه مع ذلك أشدَّ الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه. وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيامٍ لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه١ وكلَّمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغرَوا به سفهاءَهم، فوقفوا له سِماطَين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دَمِيَتْ قدماه، وزيدُ بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرف راجعًا من الطائف إلى مكة محزونًا.

وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاءِ الطائف: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقِلَّة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيد يتجهَّمني٢؟ أو إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، غيرَ أنَّ عافيتك هي٣ أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتُ وصَلَح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزلَ بي سخطُك؛ لك العُتْبى٤ حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك»٥.

  1. (١) ز: «حاجَّه».
  2. (٢) م، ق، ب: «يتهجَّمنِي»، تصحيف. ومعنى «يتجهَّمني»: يلقاني بالغلظة.
  3. (٣) «هي» ساقطة من م، ق، ب، ك، ع.
  4. (٤) أي إليك أتوب فأرجع عمّا تكره إلى ما تحب، فالعُتبى اسم من الإعتاب، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب، تقول: عتبتُ عليه (أو: عاتبته) فأعتبني، أي ترك ما عتبتُ عليه من أجله ورجع إلى ما يُرضيني عنه. انظر: «تهذيب اللغة» (عتب).
  5. (٥) رواه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤١٩ - ٤٢٢) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (١/ ٦٤٦) و«تفسير ابن كثير» (الأحقاف: ٢٩) ــ عن يزيد بن زياد (في التفسير: يزيد بن رومان، ولعله تصحيف)، عن محمد بن كعب القُرظي مرسلًا.
    ورواه بعضهم عن ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر ﵁ موصولًا، أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٤/ ١٣٩) ومن طريقه الضياء في «المختارة» (٩/ ١٧٩ - ١٨١). وهو غريب، والصحيح عن ابن إسحاق الإسناد الأول مرسلًا.
39

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي