وأقام بنخلةَ أيامًا، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك ــ يعني قريشًا ــ؟ فقال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصرٌ دينَه ومظهر نبيَّه»١.
ثم انتهى إلى مكة٢ فأرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي: «أدخل في جوارك؟» فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البَسوا السلاحَ وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله ﷺ إلى الركن فاستلمه وصلَّى ركعتين وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده مُحدِقون به بالسلاح حتى دخل بيته٣.
فصل
ثم أسري برسول الله ﷺ ــ بجسده على الصحيح٤ ــ من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبًا على البراق صُحبةَ٥ جبريل ــ عليهما
(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٨٠) عن الواقدي بإسناده إلى محمد بن جبير بن مطعم مرسلًا.
الصلاة والسلام ــ، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا وربط البراق بحلقة باب المسجد.
وقد قيل: إنه نزل ببيت لحمٍ وصلى فيه١،
ولا يصحُّ عنه ذلك البتة.
ثم عُرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا فاستفتَحَ له جبريل ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر فسلَّم عليه، فرحَّبَ به وردّ ﵇ وأقر بنبوَّته، وأراه الله أرواحَ السُّعَداء من بنيه عن يمينه وأرواحَ الأشقياء عن يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم فلقيهما وسلَّم عليهما، فردَّا عليه ورحَّبا به وأقرَّا بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف الصدِّيق٢ فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس، فسلَّم عليه ورحَّب به وأقرَّ بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فلقي فيها هارون بن عمران فسلَّم عليه ورحَّب به وأقر بنبوته.
(١) روي ذلك من حديث أنس وشدّاد بن أوس، فأما حديث أنس فأخرجه النسائي (٤٥٠). قال ابن كثير في «الفصول» (ص ٢٥٦): إنه حديث غريب منكر جدًّا، وإسناده مقارب، وفي الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على نكارته. وأما حديث شدّاد فأخرجه البزار (٣٤٨٤) والطبراني في «الكبير» (٧/ ٢٨٢) والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧) وصححه، وتُعقِّب بأن في إسناده إسحاق بن زِبْرِيق، وقد قال النسائي كما في «تاريخ دمشق» (٨/ ١٠٩): «ليس بثقة عن عمرو بن الحارث»، وروايته هنا عنه.