واختلف الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه١، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده٢.
وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾[النجم: ١٣] إنما هو جبريل٣.
وصحّ عن أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنى أراه؟»، أي: حال بيني وبين رؤيته النورُ، كما قال في اللفظ الآخر: «رأيت نورًا»٤.
وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي٥ اتفاق الصحابة على أنه لم يره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ٦: وليس قول ابن عباس: «إنه رآه» مناقضًا لهذا، ولا قوله «رآه بفؤاده»؛ وقد صح عنه أنه قال: «رأيت ربي ﵎»، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان بالمدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربِّه٧ تبارك
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٤٦٣) والنسائي في «الكبرى» (١١٤٧٣) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (٥٤٧) وغيرهم من طرق عنه.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٦) من طريقين عنه، ولفظ أحدهما: «رآه بقلبه».
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٣٢ - ٣٢٣٥) ومسلم (١٧٤، ١٧٧) عنهما، وأخرجه مسلم (١٧٥) عن أبي هريرة ﵁ أيضًا.
(٤) أخرجهما مسلم في «صحيحه» (١٧٨/ ٢٩١، ٢٩٢).
(٥) في «الرد على الجهمية» (ص ١٤٤).
(٦) «ابن تيمية قدس الله روحه» ليس في م، ق، ب، ك، ع. انظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٠٩) و«منهاج السنة» (٥/ ٣٨٤ - ٣٨٧) و«مسألة في رؤية النبي ﷺ ربّه» ضمن «جامع المسائل» (١/ ١٠٣ - ١٠٨).
(٧) «ربّه» ساقط من ق. وفي ز: «رؤيته ﵎».
وتعالى تلك الليلة في منامه١. وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه، فإن٢ رؤيا الأنبياء حق ولا بد، ولكن لم يقل أحمد: إنه رآه بعينَي رأسه يقظةً، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن مرةً قال: رآه، ومرةً قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوصه موجودة ليس فيها ذلك.
وأما قول ابن عباس: إنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾[النجم: ١١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾[النجم: ١٣]، والظاهر أنه مستنده٣ = فقد صح عنه ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خُلِق عليها٤. وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم.
(١) هو حديث اختصام الملأ الأعلى. أخرجه أحمد (٢٢١٠٩) والترمذي (٣٢٣٥) من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح، ونقل عن شيخه أبي عبد الله البخاري أنه قال مثل ذلك. وقد روي الحديث أيضًا عن ابن عباس وأنس وثوبان وغيرهم، ولكن لا يصح منها شيء. وروي من مراسيل عبد الرحمن بن عائش، وطارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن سابط بأسانيد حسان. انظر: «العلل» للدارقطني (٩٧٣) و«أنيس الساري» (١١/ ١١٩٩ - ١٢١٤). ولابن رجب رسالة في شرح هذا الحديث الجليل سمَّاها: «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى» وهي مطبوعة.
(٢) «فإن» سقطت من ق، وتصحفت في ك، ع إلى «قال».
(٣) كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٤٦٣) والطبري (٢٢/ ٢٢ - ٢٤).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٧/ ٢٨٧) عن عائشة مرفوعًا. وقد سبق أن ذلك أيضًا قول ابن مسعود وأبي هريرة موقوفًا عليهما.