فنتَّبعه ونقتلكم معه قتلَ عادٍ وإِرَم، وكان الأنصار يحجون البيت ــ كما كانت العرب تحجُّه ــ دون اليهود، فلما رأى الأنصار رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الله وتأمَّلُوا أحوالَه قال بعضهم لبعض: تعلمون ــ واللهِ يا قومُ ــ أن هذا الذي تَوَعَّدكم به يهود، فلا يَسبقُنَّكم إليه!
وكان سويد بن الصامت من الأوس قد قدم مكة فدعاه رسول الله ﷺ، فلم يُبْعِد ولم يُجِب١.
ثم قدم مكّة أنسُ بن رافع أبو الحَيْسَر في فِتيةٍ من قومه من بني عبد الأشهل يطلبون الحِلْف٢، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال إياس بن معاذ ــ وكان شابًّا حدثًا ــ: يا قومِ، هذا والله خير مما جئنا له، فضربه أبو الحيسر وانتهره فسكت، ثم لم يتمَّ لهم الحلف فانصرفوا إلى المدينة٣.
فصل
ثم إن رسول الله ﷺ لقي عند العقبة في الموسم ستة نفرٍ من الأنصار كلهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زُرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقُطْبة بن عامر، وعُقْبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن
(١) هذا والذي قبله أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٢٥، ٤٢٨) و«دلائل النبوة» (٢/ ٤١٩، ٤٣٣) ــ عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه.
(٢) أي مِن قريش ليوالوا الأوس ــ وبنو عبد الأشهل منهم ــ فينصروهم على أعدائهم من الخزرج.
(٣) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٢٧) و«الدلائل» (٢/ ٤٢٠) ــ بإسناد حسن عن محمود بن لَبِيد الأشهلي ﵁. والمؤلف صادر عن «جوامع السيرة» لابن حزم (ص ٦٩) هنا وفي الفقرة السابقة.
رئاب؛ فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلموا.
ثم رجعوا إلى المدينة فدعَوا إلى الإسلام، ففشا الإسلام فيها حتى لم تبقَ دار إلا وقد دخلها الإسلام، فلما كان العام المقبل١ جاء منهم اثنا عشر رجلًا: الستة الأُوَل٢ خلا جابرَ بن عبد الله، ومعهم: معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدم، وذكوان بن عبد قيس٣ ــ وقد أقام ذكوان هذا بمكة حتى هاجر إلى المدينة، فيقال: إنه مهاجري أنصاري ــ، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان، وعُوَيمُ٤ بن مالك؛ هم٥ اثنا عشر٦.
وقال أبو الزبير عن جابر: إن النبي ﷺ لبث عشر سنين يتبع الناس في
(١) ص، ز، ع: «القابل».
(٢) ص، ز، ج: «الأولى».
(٣) ز: «عبد الله بن قيس»، خطأ.
(٤) ق، ب، ص، ز، ن، النسخ المطبوعة: «عُوَيمر»، خطأ لأن عويمر بن مالك هو أبو الدرداء ﵁، وهو إنما أسلم يوم بدر أو بعده. والمذكور في مصادر السيرة هنا هو «عويم بن ساعدة» من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، فما وقع هنا في اسم أبيه إما وهم من المؤلف أو أنه نسبه إلى جدّه الأعلى.
(٥) «هم» ليست في م، ق، ب.
(٦) المؤلف ذكر أحد عشر اسمًا وسقط عليه واحد، وهو: «العبّاس بن عُبادة بن نضلة» من بني عوف بن الخزرج. وهو أيضًا يقال له: مهاجري أنصاري، لأنه أقام بمكة حتى هاجر. وهؤلاء الاثنا عشر بايعوا النبي ﷺ بيعة العقبة الأولى، وهي مثل بيعة النساء المذكورة في آخر الممتحنة. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٢٨ - ٤٣٣) و«طبقات ابن سعد» (١/ ١٨٥ - ١٨٧). وانظر حديث عبادة بن الصامت عند البخاري (١٨) ومسلم (١٧٠٩) لصيغة البيعة.