ثم رجعوا إلى المدينة فدعَوا إلى الإسلام، ففشا الإسلام فيها حتى لم تبقَ دار إلا وقد دخلها الإسلام، فلما كان العام المقبل١ جاء منهم اثنا عشر رجلًا: الستة الأُوَل٢ خلا جابرَ بن عبد الله، ومعهم: معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدم، وذكوان بن عبد قيس٣ ــ وقد أقام ذكوان هذا بمكة حتى هاجر إلى المدينة، فيقال: إنه مهاجري أنصاري ــ، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان، وعُوَيمُ٤ بن مالك؛ هم٥ اثنا عشر٦.
وقال أبو الزبير عن جابر: إن النبي ﷺ لبث عشر سنين يتبع الناس في
(١) ص، ز، ع: «القابل».
(٢) ص، ز، ج: «الأولى».
(٣) ز: «عبد الله بن قيس»، خطأ.
(٤) ق، ب، ص، ز، ن، النسخ المطبوعة: «عُوَيمر»، خطأ لأن عويمر بن مالك هو أبو الدرداء ﵁، وهو إنما أسلم يوم بدر أو بعده. والمذكور في مصادر السيرة هنا هو «عويم بن ساعدة» من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، فما وقع هنا في اسم أبيه إما وهم من المؤلف أو أنه نسبه إلى جدّه الأعلى.
(٥) «هم» ليست في م، ق، ب.
(٦) المؤلف ذكر أحد عشر اسمًا وسقط عليه واحد، وهو: «العبّاس بن عُبادة بن نضلة» من بني عوف بن الخزرج. وهو أيضًا يقال له: مهاجري أنصاري، لأنه أقام بمكة حتى هاجر. وهؤلاء الاثنا عشر بايعوا النبي ﷺ بيعة العقبة الأولى، وهي مثل بيعة النساء المذكورة في آخر الممتحنة. انظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٢٨ - ٤٣٣) و«طبقات ابن سعد» (١/ ١٨٥ - ١٨٧). وانظر حديث عبادة بن الصامت عند البخاري (١٨) ومسلم (١٧٠٩) لصيغة البيعة.
منازلهم في الموسم ومَجَنَّة وعُكاظ ومنازلهم من منى: «من يؤويني، ومن ينصرني حتى أبلِّغ رسالاتِ ربي فله الجنة؟»، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يؤويه، حتى إن الرجل ليَرْحَل من مُضَر أو اليمن إلى ذي رَحِمه فيأتيه قومه فيقولون له: احذَرْ غلام قريش لا يفتنك١، ويمشي بين رحالهم٢ يدعوهم إلى الله وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله من يثرب، فيأتيه الرجل منَّا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيُسْلمون بإسلامه، حتّى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يُظهرون الإسلام، وبعثَنا اللهُ إليه، فائتمرنا واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله ﷺ يُطرَد في جبال مكة ويُخاف، فرحلنا حتى قدِمنا عليه في الموسم فواعَدْنا بيعةَ العقبة٣، فقال له عمُّه العباس: يا ابن أخي، ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباسُ في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله، على ما٤ نبايعك؟ قال: «على السمع والطاعة في النَّشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا٥
في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدِمْتُ عليكم،
(١) ز: «يفتنكم»، وفي هامشه مثل المثبت وعليه «خ».
(٢) م، ق، ن، النسخ المطبوعة: «رجالهم» بالجيم، خطأ.
(٣) وهي بيعة العقبة الثانية. ولفظ «المسند»: «فواعَدْناه شِعْبَ العقبة».
(٤) في «المسند» وغيره: «علامَ» على الجادّة. والمثبت من الأصول لغة ضعيفة. انظر: «المحتسب» لابن جنِّي (٢/ ٣٤٧) و«شرح الشافية» للرضي (٢/ ٢٩٧) و«شواهد التوضيح» لابن مالك (ص ٢٢٧) ط. دار الكمال المتحدة.