فلما تمَّت هذه البيعةُ استأذنوا رسول الله ﷺ أن يميلوا على أهل العقبة بأسيافهم، فلم يأذن لهم في ذلك. وصرخ الشيطان على العقبة بأبعد صوتٍ سُمع: يا أهل الأخاشب١، هل لكم في محمَّد والصُّباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله ﷺ: «هذا أزبُّ العقبة، أما والله يا عدوَّ الله لأتفرَّغنَّ لك»، ثم أمرهم أن ينفضُّوا إلى رحالهم٢.
فلما أصبح القومُ غدت عليهم جِلَّة قريش وأشرافُهم حتى وصلوا٣ شِعبَ الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايمُ اللهِ ما حيٌّ من العرب أبغضَ إلينا أن ينشب بيننا وبينه٤ الحرب منكم، فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله: ما كان هذا وما علمنا، وجعل عبد الله بن أُبيٍّ يقول: هذا باطل وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا عليَّ بمثل هذا، لو كنتُ بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني، فرجعت قريش من عندهم.
ورحل البراء بن معرور فتقدم إلى بطن يَأجَجَ٥، وتلاحق أصحابه من
(١) هكذا في الأصول، وهو لفظ الواقدي، و«الأخاشب» هي الجبال، والمراد أهل مكة، فإن مكة وادٍ محيطٌ بالجبال. وفي المطبوع: «الجباجب»، وهي رواية ابن إسحاق، وهي منازل بمنًى. انظر: «النهاية» (جبب).
(٢) صحَّ ذلك من حديث كعب بن مالك، وسيأتي تخريجه.
(٣) ج، ن: «دخلوا».
(٤) ج، ع: «بينهم».
(٥) ويقال أيضًا: «يأجِج» بكسر الجيم، وادٍ من أودية مكة شمال التنعيم، ووادي التنعيم يصب فيه، يعرف اليوم باسم «ياج» أو «وادي بئر مقيت». انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٣٣٧) و«معجم معالم الحجاز» (ص ١٨٤٧) كلاهما لعاتِق البلادي.
المسلمين. وتطلَّبتهم قريش١، فأدركوا سعد بن عبادة فجعلوا يدَه إلى عنقه بِنِسعةٍ، وجعلوا يضربونه ويجُرُّون شعرَه حتى أدخلوه مكة، فجاء مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلَّصاه من أيديهم، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكُرُّوا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل٢ القوم جميعًا إلى المدينة٣.
وأذِنَ رسول الله ﷺ للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، فبادر الناس إلى ذلك، فكان أولَ من خرج إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة، ولكنها احتبست دونه ومُنِعت من اللَّحاق به سنةً وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة وشيَّعها عثمان بن أبي طلحة٤.
(١) وذلك أن قريشًا تنطَّسوا الخبر ــ خبر مبايعة الأنصار ــ فعلموا أنه قد كان، فخرجوا في طلب القوم بعد أن قد نفروا من منى. «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٤٩).
(٢) ص، ز، ج، ن: «فوصل». والمثبت من سائر الأصول موافق لما في «طبقات ابن سعد» و«سيرة الدمياطي» (ق ٣٧ ب) نقلًا عنه، وهو مصدر المؤلف.
(٣) خبر بيعة العقبة الثانية أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٤٠ - ٤٤٣، ٤٤٧ - ٤٥٠) و«مسند أحمد» (١٥٧٩٨) و«صحيح ابن حبان» (٧٠١١) و«دلائل النبوة» (٢/ ٤٤٤) ــ من حديث كعب بن مالك ﵁، بإسناد جيّد. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٨٨ - ١٩٠) عن الواقدي بأسانيده. وسياق المؤلف مجموع من الروايتين رواية ابن إسحاق ورواية الواقدي.
(٤) نسبه إلى جدِّه، هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، ولم يكن ﵁ مسلمًا يؤمئذ، وخبر تشييعه لأم سلمة أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠) ــ عن أم سلمة بإسناد حسن.