زاد المعاد

المسلمين. وتطلَّبتهم قريش١، فأدركوا سعد بن عبادة فجعلوا يدَه إلى عنقه بِنِسعةٍ، وجعلوا يضربونه ويجُرُّون شعرَه حتى أدخلوه مكة، فجاء مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلَّصاه من أيديهم، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكُرُّوا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل٢ القوم جميعًا إلى المدينة٣.

وأذِنَ رسول الله ﷺ للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، فبادر الناس إلى ذلك، فكان أولَ من خرج إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة، ولكنها احتبست دونه ومُنِعت من اللَّحاق به سنةً وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة وشيَّعها عثمان بن أبي طلحة٤.

  1. (١) وذلك أن قريشًا تنطَّسوا الخبر ــ خبر مبايعة الأنصار ــ فعلموا أنه قد كان، فخرجوا في طلب القوم بعد أن قد نفروا من منى. «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٤٩).
  2. (٢) ص، ز، ج، ن: «فوصل». والمثبت من سائر الأصول موافق لما في «طبقات ابن سعد» و«سيرة الدمياطي» (ق ٣٧ ب) نقلًا عنه، وهو مصدر المؤلف.
  3. (٣) خبر بيعة العقبة الثانية أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٤٠ - ٤٤٣، ٤٤٧ - ٤٥٠) و«مسند أحمد» (١٥٧٩٨) و«صحيح ابن حبان» (٧٠١١) و«دلائل النبوة» (٢/ ٤٤٤) ــ من حديث كعب بن مالك ﵁، بإسناد جيّد. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٨٨ - ١٩٠) عن الواقدي بأسانيده. وسياق المؤلف مجموع من الروايتين رواية ابن إسحاق ورواية الواقدي.
  4. (٤) نسبه إلى جدِّه، هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، ولم يكن ﵁ مسلمًا يؤمئذ، وخبر تشييعه لأم سلمة أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠) ــ عن أم سلمة بإسناد حسن.
61

ثم خرج الناس أرسالًا يَتْبع بعضهم بعضًا، ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي ــ أقاما بأمره لهما ــ، وإلا من احتبسه المشركون كَرهًا. وقد أعدَّ رسولُ الله ﷺ جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعدَّ أبو بكر جهازه.

فصل

فلما رأى المشركون أصحابَ رسول الله ﷺ قد تجهَّزوا وخرجوا وحملوا وساقوا الذراريَّ والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج عرفوا أن الدار دارُ مَنَعة، وأن القوم أهلُ حلقة وبأس وشوكة، فخافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم ولحوقَه بهم فيشتدُّ عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة ولم يتخلَّف أحدٌ من ذوي الرأي١ والحِجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم وليُّهم وشيخُهم إبليس ــ لعنه الله ــ في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتملِ الصمَّاء في كسائه، فتذاكروا أمر رسول الله ﷺ، فأشار كل أحدٍ منهم برأي، والشيخ يردُّه ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه رأي ما أراكم٢ وقعتم عليه، قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلامًا نَهْدًا جَلْدًا ثم نُعطيه سيفًا صارمًا فيضربونه ضربةَ رجلٍ واحد، فيتفرَّق دمُه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، ولا يُمكنها معاداة القبائل كلِّها، ونسوق إليهم ديته، فقال الشيخ: للهِ درُّ الفتى! هذا والله الرأي، فتفرقوا على ذلك وأجمعوا عليه، وجاء جبريل بالوحي من عند ربِّه ﵎ فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك

  1. (١) ج، ن: «أهل الرأي».
  2. (٢) ز، ع: «رأي من آرائكم ما». وفي ص مثله دون «ما».
62

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي