قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ بمكة فأُمِر بالهجرة وأُنزِل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾[الإسراء: ٨٠]١.
قال قتادة: أخرجه الله من مكة إلى المدينة مُخْرَجَ صدقٍ٢. ونبيُّ الله يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانًا نصيرًا، وأراه الله ﷿ دار الهجرة وهو بمكة، فقال: «أُرِيت دارَ هجرتكم سَبْخةً ذاتَ نخلٍ بين لابتين»٣.
وذكر الحاكم في «صحيحه»٤ عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال لجبريل: «من يهاجر معي؟» قال: أبو بكر الصديق.
قال البراء: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ: مصعبُ بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يُقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمَّار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا، ثم جاء رسول الله ﷺ،
(١) أخرجه أحمد (١٩٤٨) والترمذي (٣١٣٩) والحاكم (٢/ ٢٤٣) وصححه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) أخرجه الطبري (١٥/ ٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٩٧) من حديث عائشة ﵂.
(٤) (٣/ ٥) وقال: صحيح الإسناد والمتن. قلتُ: كذا قال مع أن شيخه فيه أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، وقد قال عنه هو نفسه لمَّا سئل عنه ــ كما في «لسان الميزان» (٦/ ٢٢) ــ: هو أشهر في اللِّين من أن تسألني عنه، وقال أيضًا: كان يكذب. وقال الدارقطني كما في «سؤالات السهمي» (٤٠٧): ضعيف جدًّا. وله طريقان آخران عند ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٨٩) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٨/ ١٦٨) لكنّهما أيضًا واهيان.
فما رأيت الناس فرحوا بشيء فرَحَهم به حتى رأيتُ النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء١.
وقال أنس: شهدتُه يوم دخل المدينة، فما رأيت يومًا قطُّ كان أحسنَ ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت يومًا قط كان أقبحَ ولا أظلمَ من يوم مات٢.
فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حُجرته ومسجده.
وبعث رسول الله ﷺ وهو في منزل أبي أيوب زيدَ بن حارثة وأبا رافع ــ وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم ــ إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودةَ بنتِ زمعة زوجته، وأسامة بن زيد وأمِّه أم أيمن. وأما زينب فلم يُمكِّنْها زوجُها أبو العاص بن الربيع من الخروج. وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر وفيهم عائشة، فنزلوا في بيت حارثة بن النُّعمان٣.
فصل
في بناء المسجد
قال الزهري٤: بركت ناقة رسول الله ﷺ عند موضع مسجده، وهو
(١) أخرجه البخاري (٤٩٤١).
(٢) أخرجه ابن سعد (١/ ٢٠١) وأحمد (١٣٥٢٢) والدارمي (٨٩) والحاكم (٣/ ٥٧) وصححه على شرط مسلم، واختاره الضياء (٥/ ٦٦).
(٣) ذكره الواقدي بأسانيده كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٠٣)، (١٠/ ٦٢ - ٦٣، ١٥٨).
(٤) أسنده عنه الواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) بطوله، إلا بيتًا ارتجزه بعض الصحابة، وسيأتي التنبيه عليه. وسيأتي أيضًا ذكر بعض الشواهد لفقرات هذا الخبر.