زاد المعاد

الثالث: أن قوله تعالى: ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ١٩]، نزلت في الذين تبارزوا يومَ بدرٍ من الفريقين١.

الرابع: أنه قد٢ خاطبهم في آخرها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ [الحج: ٧٧]، والخطاب بذلك كلُّه مدني، وأمّا الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فمشترك.

الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعمُّ الجهادَ باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، وأمّا جهاد الحجَّة فأمر به في مكة، كقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ﴾ أي: بالقرآن ﴿بِهِ جِهَادًا﴾ [الفرقان: ٥٢] فهذه سورة٣ مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة، وأما حقُّ الجهاد المأمور به في سورة الحجِّ فيدخل فيه الجهاد بالسيف.

السادس: أن الحاكم روى في «مستدركه»٤ من حديث الأعمش عن

  1. (١) كما في «صحيح البخاري» (٣٩٦٥، ٣٩٦٦) من حديث علي وأبي ذرّ، وسيأتي في أحداث الغزوة.
  2. (٢) «قد» ليست في م، ق، ب، ث.
  3. (٣) ج: «السورة».
  4. (٤) (٢/ ٢٤٦). وأخرجه أحمد (١٨٦٥) والترمذي (٣١٧١) والنسائي (٣٠٨٥) والبزار (١/ ٦٩، ١٩٤) والطبري (١٦/ ٥٧٤) وابن حبان (٤٧١٠) والطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٦) والحاكم (٢/ ٦٦، ٣/ ٧) والضياء في «المختارة» (١٠/ ٣٥٩) من طرق عن الأعمش به. وصححه ابن حبان والحاكم والضياء والمؤلف، وحسَّنه الترمذي والبزّار، إلا أن الترمذي ذكر أنه رواه غير واحد عن الثوري عن الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير مرسلًا. وانظر: «العلل» للدارقطني (٢٢).
85

مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لمّا خرج رسول الله ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرَجُوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون، ليَهْلِكُنَّ؛ فأنزل الله ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط «الصحيحين».

وسياق السورة يدل على أن فيها المكيَّ والمدنيَّ، فإن قصة إلقاء الشيطان في أُمنيَّةِ الرسول مكية، والله أعلم.

فصل

ثم فَرَض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠].

ثم فرض عليهم قتال المشركين كافَّةً؛ وكان محرَّمًا، ثم مأذونًا فيه، ثم مأمورًا به لمن بدأهم١ بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين، إما فرض عينٍ على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور.

والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد؛ فعلى كل مسلم أن يُجاهِد بنوعٍ من هذه الأنواع.

وأما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].

  1. (١) ص، ز: «بادأهم».
86

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي