زاد المعاد

وتأمل هاهنا قصة جابر، وقد اشترى منه النبي ﷺ بعيرَه ثم وفَّاه الثمن وزاده وردَّ عليه البعير١، وكان أبوه قد قُتِل مع النبي ﷺ في وقعة أُحُدٍ، فذكَّره بهذا الفعل حالَ أبيه مع الله، وأخبره أن الله أحياه وكلَّمه كِفاحًا وقال: «يا عبدي تمنَّ عليَّ»٢.

فسبحان من عَظُم جودُه وكرمه عن٣ أن يحيط به علم الخلائق؛ لقد أعطى السِّلْعة وأعطى الثمن ووفَّق لتكميل العقد، وقَبِل المبيعَ على عيبه وأعاض عليه أجلَّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو الذي وفَّقه له وشاءه منه.

فحيَّهلًا إن كنتَ ذا همةٍ فقدحدا بك حادي الشوق فاطْوِ المراحلا
وقُل لمنادي حبِّهم ورضاهمإذا ما دعا: لبيك ألفًا كواملا
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإنْنظرتَ إلى الأطلال عُدن حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقةَ قاعدٍودَعْه فإن الشوق يكفيك حاملا
وخذ منهمُ زادًا إليهم وسِرْ علىطريق الهدى والحبِّ تصبحُ واصلا
  1. (١) أخرجه البخاري (٢٠٩٧) ومسلم (٧١٥).
  2. (٢) أخرجه الترمذي (٣٠١٠) وابن ماجه (١٩٠) وابن حبان (٧٠٢٢) والحاكم (٣/ ٢٠٤)، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه ابن حبان والحاكم والمؤلف في «حادي الأرواح» (٢/ ٦٧١). وروي بنحوه من طريق آخر عند أحمد (١٤٨٨١) وأبي يعلى (٢٠٠٢) وغيرهما، وإسناده حسن أيضًا. وانظر: «الصحيحة» (٣٢٩٠) و«أنيس الساري» (٣/ ٢٣١٨).
  3. (٣) «عن» ليست في م، ق، ب، ث، المطبوع.
90

وأحْيِ بذكراهم سُراكَ إذا وَنَتْ١... ركابُك فالذِّكْرى تُعيدك عاملا

وإمّا تخافَنَّ الكَلال فقل لهاأمامكِ وِرْد الوَصْلِ فابغي المَناهلا
وخذ قبَسًا من نورهم ثم سِرْ بهفنورهمُ يهديك ليس المشاعِلا
وحيَّ على وادي الأراك فقِلْ بهعساك تراهم ثَمَّ إن كنتَ قائلا
وإلا ففي نَعمانَ عند مُعرِّفِ الـأحبَّة فاطلبهم إذا كنتَ سائلا
وإلا ففي جمعٍ بليلته فإنْتَفُت فمنًى يا ويحَ من كان غافلا
وحيَّ على جنات عدنٍ فإنهامنازلُك الأُولى بها كنت نازلا
ولكنْ سَباك الكاشحون لأجل ذاوقفتَ على الأطلال تبكي المنازلا
وحيَّ على يوم المزيد بجنة الـخلود فجُدْ بالنفس إن كنتَ باذلا
فدَعْها رسومًا دارساتٍ فما بهامَقِيلٌ وجاوِزْها فليست منازلا
رسومًا عفت ينتابها الخلق كم بهاقتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا
وخذ يمنةً عنها على المنهج الذيعليه سرى وفد المحبَّة آهلا
وقل ساعدي يا نفسُ بالصبر ساعةًفعند اللِّقا ذا الكدُّ يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضيويصبح ذو الأحزان فرحانَ جاذِلا٢

لقد حرَّك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوسَ الأبية والهممَ العالية، وأَسْمَعَ منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، أسمَعَ ــ واللهِ ــ من كان حيًّا، فهزَّه السماعُ إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره، فما حطَّت رحالُه إلا بدار القرار؛ فقال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله ــ لا يخرجه إلا إيمان بي

  1. (١) ص، ج، ز، ع، ن: «دَنَتْ»، تصحيف، وهو على الصواب في هامش ز. و«سُراك» تصحّف في المطبوع إلى «شراك». والسُّرى: سير الليل.
  2. (٢) يبدو أن الأبيات للمؤلف، وهي في «مدارج السالكين» (٣/ ٨).
91

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي