وكان ﷺ يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفرُّوا، وربما بايعهم على الموت، وبايعهم على الجهاد، كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهجرة قبل الفتح، وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله.
وبايع نفرًا من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان السوط يسقط من يد أحدهم فينزل يأخذه ولا يقول لأحد: ناولني إياه١.
وكان يشاور أصحابه في أمر الجهاد ولقاء العدو وتخيُّرِ المنازل، وفي «المسند»٢ عن أبي هريرة: «ما رأيت أحدًا أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله ﷺ».
وكان يتخلَّف في ساقتهم في المسير فيُزجي الضعيفَ ويُردف المنقطعَ٣، وكان أرفق الناس بهم في السير.
وكان إذا أراد غزوةً ورى بغيرها٤؛ فيقول مثلًا إذا أراد غزوة خيبر: كيف طريق نجدٍ ومياهُها؟ ومَن بها من العدو؟ ونحو ذلك.
(١) كما في حديث عوف بن مالك الأشجعي عند مسلم (١٠٤٣).
(٢) النسخ المطبوعة: «المستدرك»، خطأ مخالف للأصول. والحديث في «المسند» (١٨٩٢٨) ضمن خبر غزوة الحديبية الطويل الذي رواه الزهري عن عروة عن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ففي أثنائه قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول (فذكره). قال الحافظ في «الفتح» (١٣/ ٣٤٠): رجاله ثقات إلا أنه منقطع.
(٣) كما في حديث جابر عند أبي داود (٢٦٣٩) والحاكم (٢/ ١١٥). وقوله: «يُزجي الضعيف» أي: يسوق ويدفع المركوب الضعيف ليُلحقه بالرِّفاق.
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٤٧) ومسلم (٢٧٦٩/ ٥٤) من حديث كعب بن مالك.
وكان يقول: «الحرب خَدعة»١.
وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوِّه، ويُطْلِع الطلائع، ويبثُّ الحرس.
وكان إذا لقي عدوَّه وقف ودعا واستنصر الله، وأكثرَ هو وأصحابُه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم٢.
وكان يُرتِّب الجيش٣ والمقاتِلةَ، ويجعل٤ في كل٥ جنبةٍ كفؤًا لها، وكان يبارَز بين يديه بأمره.
وكان يلبس للحرب عُدَّته، وربما ظاهَر بين دِرعين، وكان له الألوية والرايات.
وكان إذا ظهر على قوم أقام بِعَرْصَتهم ثلاثًا ثم قفل٦.
وكان إذا أراد أن يُغِير انتظر، فإن سمع في الحيِّ مؤذنًا لم يُغِرْ، وإلا أغار٧. وكان ربما بيَّتَ٨ عدوَّه، وربما فاجأهم نهارًا.
(١) أخرجه البخاري (٣٠٢٨، ٣٠٣٠) ومسلم (١٧٤٠، ١٧٣٩) من حديث أبي هريرة وحديث جابر ﵄.
(٢) أخرج ابن أبي شيبة (٣٤١٠٢) بإسناد صحيح عن قيس بن عبَّاد ــ وهو مخضرم من كبار التابعين ــ أنه قال: كان أصحاب محمد ﷺ يستحبون خفض الصوت عند ثلاث: عند القتال، وعند القرآن، وعند الجنائز.