ولمّا أُصيب غلامُه مِدْعَم قال بعض الصحابة١: هنيئًا له الجنة، فقال: «كلَّا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبرَ من المغانم لم تُصِبْها المقاسمُ لتشتعل عليه نارًا»، فجاء رجل بشِراك أو شِراكين لما سمع ذلك فقال: «شراك ــ أو: شراكان ــ من نار»٢.
وقال أبو هريرة: قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول فعظَّمَه وعظَّم أمره فقال: «لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، على رقبته فرس له حَمحَمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتُك؛ على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك؛ على رقبته رِقاع تَخفِق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك»٣.
وقال لمن كان على ثَقَله وقد مات: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون
(١) ج، ن، المطبوع: «قالوا» مكان «قال بعض الصحابة».
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٣٤) ومسلم (١١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٧٣) ومسلم (١٨٣١)، واللفظ للبخاري. والصامت من المال هو الذهب والفضة، والرقاع هي الثياب.
فوجدوا عَباءةً قد غلَّها١.
وقالوا في بعض غزواتهم: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: وفلان شهيد، فقال: «كلَّا، إني رأيته في النار في بردةٍ غلَّها ــ أو: عباءة ــ»، ثم قال رسول الله ﷺ: «يا ابنَ الخطاب اذهبْ فنادِ في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»٢.
وتوفِّي رجل يومَ خيبرَ فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «صلُّوا على صاحبكم»، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله شيئًا٣»، ففتَّشُوا متاعَه فوجدوا خَرَزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين٤.
وكان إذا أصاب غنيمةً أمر بلالًا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم، فيُخمِّسها ويَقْسِمها٥، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: «سمعتَ بلالًا نادى ثلاثًا؟» قال: نعم، قال: «فما منعك أن تجيء به؟» فاعتذر، فقال:
(١) أخرجه البخاري (٣٠٧٤) من حديث عبد الله بن عمرو. قوله: «كان على ثَقَله» أي كان مأمونًا على حفظ أمتعة النبي ﷺ في السفر.
(٢) أخرجه مسلم (١١٤) من حديث ابن عباس عن عمر.
(٣) «شيئًا» مكانه بياض في م، وسقط من ق، ب، ث.
(٤) أخرجه أحمد (١٧٠٣١) وأبو داود (٢٧١٠) والنسائي (١٩٥٩) وابن ماجه (٢٨٤٨) وابن حبان (٤٨٥٣) والحاكم (١/ ٣٦٤) من حديث أبي عمرة عن زيد بن خالد الجُهَني ﵁. وقد ضعّف الألباني إسنادَه لجهالة حال أبي عمرة الجهني، ولكن يقوِّي أمرَه قول الحاكم عقب الحديث: أبو عمرة هذا رجل من جهينة معروف بالصدق، وعليه فالإسناد محتمل للتحسين. انظر: «إرواء الغليل» (٧٢٦).
(٥) ص، ز، ج، ع، ن: «فيخمسه ويقسمه» وهو لفظ أبي داود، ثم أُصلح في ز، ع إلى المثبت، وهو لفظ ابن حبان وغيره.