وثبت عنه أنه لم يقتل حاطِبًا وقد جسَّ عليه، واستأذنه عمر في قتله، فقال: «وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»٢؛ فاستدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة. واستدلَّ به من يرى قتله كمالك وابنِ عَقيلٍ من أصحاب أحمد وغيرهما٣، قالوا: لأنه علَّل بعلةٍ مانعة من القتل منتفيةٍ في غيره، ولو كان الإسلام مانعًا من قتله لم يعلِّل بأخصَّ منه، لأن الحكم إذا عُلِّل بالأعم كان الأخصُّ عديمَ التأثير؛ وهذا أقوى، والله أعلم.٤ وكان هديه عِتق عبيد المشركين٥ إذا خرجوا إلى المسلمين وأسلموا، ويقول: «هم عُتقاء الله ﷿»٦.
(١) أخرجه البخاري (٣٠٥١) ومسلم (١٧٥٤) من حديث سلمة بن الأكوع.
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي.
(٤) زيد هنا كلمة «فصل» في النسخ المطبوعة، وليس في شيء من الأصول.
(٥) م، ق، ب: «عبيد من المشركين».
(٦) أخرجه أبو داود (٢٧٠٠) والطبراني في «الأوسط» (٤٣٠٧) والحاكم (٢/ ١٢٥) من حديث علي، وإسناده حسن. وله شواهد من حديث أبي بكرة وابن عباس وغيرهما، سيأتي ذكرها في غزوة الطائف (ص ٦٢١، ٦٣٠، ٦٣١).
وكان هديه أنَّ من أسلم على شيءٍ في يده فهو له، ولم ينظر إلى سببه قبل الإسلام بل يُقرُّه في يده١ كما كان قبل الإسلام، ولم يكن يُضمِّن المشركين إذا أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مالٍ حالَ الحرب ولا قبله.
وعزم الصديق على تضمين المحاربين من أهل الردَّة ديات المسلمين وأموالهم، فقال عمر: «تلك دماء أصيبت في الله، وأجورهم على الله، ولا دية لشهيد»، فأَصْفَق٢ الصحابةُ على ما قال عمر٣.
ولم يكن يَرُدَّ أيضًا على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها منهم الكفار قهرًا بعد إسلامهم، بل كانوا يرونها بأيديهم ولا يتعرَّضُون لها، سواءٌ في ذلك العقار والمنقول؛ هذا هديه الذي لا شك فيه.
ولمّا فتح مكة قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دُورَهم التي استولى عليها المشركون، فلم يَردَّ على أحدٍ منهم دارَه، وذلك لأنهم تركوها لله وخرجوا عنها ابتغاء مرضاته، فأعاضهم عليها دورًا خيرًا منها في الجنة، فليس لهم أن يرجعوا فيما تركوه لله. بل أبلغ من ذلك أنه لم يُرخِّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه أكثر من ثلاث٤، لأنه قد ترك بلده لله وهاجر منه، فليس له أن يعود ويستوطنه، ولهذا رثى لسعد بن خولة
(١) ق: «بل يقرّه إلى الله»، تحريف.
(٢) ق، ب، ع، ن: «فاتّفق»، وهو غير محرّر في ز. وهما بمعنى.
(٣) أخرجه أبو عُبيد القاسم بن سلَّام في كتاب «الأموال» (٥٢٣) وسعيد بن منصور (٢٩٣٤) وابن أبي شيبة (٣٣٤٠٠) ــ ومن طريقه البيهقي في «سننه» (٨/ ٣٣٥) ــ بنحوه. وإسناده صحيح، وهو في «صحيح البخاري» (٧٢٢١) مختصرًا دون موضع الشاهد.
(٤) كما في حديث العلاء بن الحضرمي عند البخاري (٣٩٣٣) ومسلم (١٣٥٢).