وكان هديه أنَّ من أسلم على شيءٍ في يده فهو له، ولم ينظر إلى سببه قبل الإسلام بل يُقرُّه في يده١ كما كان قبل الإسلام، ولم يكن يُضمِّن المشركين إذا أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مالٍ حالَ الحرب ولا قبله.
وعزم الصديق على تضمين المحاربين من أهل الردَّة ديات المسلمين وأموالهم، فقال عمر: «تلك دماء أصيبت في الله، وأجورهم على الله، ولا دية لشهيد»، فأَصْفَق٢ الصحابةُ على ما قال عمر٣.
ولم يكن يَرُدَّ أيضًا على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها منهم الكفار قهرًا بعد إسلامهم، بل كانوا يرونها بأيديهم ولا يتعرَّضُون لها، سواءٌ في ذلك العقار والمنقول؛ هذا هديه الذي لا شك فيه.
ولمّا فتح مكة قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دُورَهم التي استولى عليها المشركون، فلم يَردَّ على أحدٍ منهم دارَه، وذلك لأنهم تركوها لله وخرجوا عنها ابتغاء مرضاته، فأعاضهم عليها دورًا خيرًا منها في الجنة، فليس لهم أن يرجعوا فيما تركوه لله. بل أبلغ من ذلك أنه لم يُرخِّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه أكثر من ثلاث٤، لأنه قد ترك بلده لله وهاجر منه، فليس له أن يعود ويستوطنه، ولهذا رثى لسعد بن خولة
(١) ق: «بل يقرّه إلى الله»، تحريف.
(٢) ق، ب، ع، ن: «فاتّفق»، وهو غير محرّر في ز. وهما بمعنى.
(٣) أخرجه أبو عُبيد القاسم بن سلَّام في كتاب «الأموال» (٥٢٣) وسعيد بن منصور (٢٩٣٤) وابن أبي شيبة (٣٣٤٠٠) ــ ومن طريقه البيهقي في «سننه» (٨/ ٣٣٥) ــ بنحوه. وإسناده صحيح، وهو في «صحيح البخاري» (٧٢٢١) مختصرًا دون موضع الشاهد.
(٤) كما في حديث العلاء بن الحضرمي عند البخاري (٣٩٣٣) ومسلم (١٣٥٢).
وسماه بائسًا أن مات بمكة ودُفن بها بعد هجرته منها١.
فصل
في هديه في الأرض المغنومة
ثبت عنه أنه قسم أرض بني٢ قريظة وبني النضير وخيبر بين الغانمين.
وأما المدينةُ ففُتِحت بالقرآن وأسلم عليها أهلها فأُقِرَّت بحالها.
وأما مكةُ ففتحها عنوةً ولم يَقْسِمها، فأشكل على طائفة من العلماء الجمعُ بين فتحها عنوةً وتركِ قسمتها، فقالت طائفة: لأنها دار المناسك، وهي وقف على المسلمين كلِّهم وهم فيها سواء، فلا يمكن قسمتها. ثم مِن هؤلاء مَن منع بيعها وإجارتها، ومنهم من جوَّز بيع رباعها ومنع إجارتها.
والشافعي لمّا لم يجمع بين العَنْوة وبين عدمِ القسمة قال٣: إنها فتحت صلحًا، فلذلك لم تُقسَم، قال: ولو فُتِحت عنوةً لكانت غنيمةً فتجب قسمتُها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول. ولم يَرَ مَنْعَ بيعِ٤ رباع مكة وإجارتها، واحتج بأنها مِلك لأربابها تُورَث عنهم وتُوهَب، وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه٥، واشترى عمر بن الخطاب دارًا من
(١) أخرجه البخاري (١٢٩٥) ومسلم (١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.