زاد المعاد

صفوان بن أمية١، وقيل للنبي ﷺ: أين تنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: «وهل ترك لنا عَقيل من رباع؟!» وكان عقيل ورث أبا طالب٢.

فلما كان أصله ﵁ أن الأرض من الغنائم، وأن الغنائم تجب قسمتُها، وأن مكة تُملَك وتُباع رباعُها ودورها، ولم تقسم= لم يجد بُدًّا من كونها فُتحت صلحًا.

ولكن من تأمل الأحاديث الصحيحة وجدها كلَّها دالةً على قول الجمهور وأنها فُتحت عنوةً. ثم اختلفوا لأيِّ شيءٍ لم يَقْسِمها؟

فقالت طائفة: لأنها دار النسك ومحل العبادة، فهي وقف من الله على عباده المسلمين.

وقالت طائفة: الإمام مخير في الأرض بين قِسمتها وبين وقفها، والنبي ﷺ قَسَم خيبر ولم يَقْسِم مكة، فدلَّ على جواز الأمرين. قالوا: والأرض لا تدخل في الغنائم المأمور بقسمتها، بل الغنائم هي الحيوان والمنقول، لأن الله تعالى لم يُحلَّ الغنائم لأمة غير هذه الأمة، وأحل لهم ديار٣ الكفر

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق (٩٢١٣) وابن أبي شيبة (٢٣٦٦٢) والفاكهي في «أخبار مكة» (٢٠٧٦) وابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ٣٩٨)، وفي إسناده عبد الرحمن بن فَرُّوخ، لم يوثِّقه غير ابن حبان، على أن البخاري قد علّق الخبر مجزومًا به في كتاب الخصومات (باب الربط والحبس في الحرم).
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٥٨٨) ومسلم (١٣٥١) من حديث أسامة بن زيد.
  3. (٣) ص، ز: «دار».
139

وأرضهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ إلى قوله:١ ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢١]، وقال في ديار فرعون وقومه وأرضهم: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٥٩﴾ [الشعراء: ٥٩]، فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم، والإمام مخيَّر فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله ﷺ وترك، وعمر لم يقسم بل أقرَّها على حالها وضرب عليها خراجًا٢ مستمرًّا في رقبتها يكون للمقاتِلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقفَ الذي يَمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة، وقد أجمعوا على أنها تورث والوقفُ لا يورث. وقد نص الإمام أحمد على أنها يجوز أن تُجعل صداقًا، والوقفُ لا يجوز أن يكون٣ مهرًا في النكاح. ولأن الوقف إنما امتنع بيعُه ونقلُ الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم من منفعته، والمقاتِلةُ حقُّهم في خراج الأرض، فمَن اشتراها صارت عنده خراجيَّةً كما كانت عند البائع سواءً، فلا يَبطل حقُ أحدٍ من المسلمين بهذا البيع، كما لم يَبطُل بالميراث والهبة والصداق.

ونظير هذا بيع رقبة المكاتَب وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة، فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتبًا كما كان عند البائع، ولا يَبطل ما انعقد في حقِّه من سبب العتق ببيعه، والله أعلم.

  1. (١) «إلى قوله» من ن، هامش ز. وفي ص، ج، ع ذُكر مطلع الآية الأولى متصلًا بالآية التي تليها. وفي م، ق، ب: «وأحل لهم ديار الكفر وأرضهم، كما قال موسى لقومه: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا ...﴾».
  2. (٢) م، ق، ب: «خراجها».
  3. (٣) ج: «يُجعل».
140

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي