فتح مكة أجرتُ رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتًا وأغلقت عليهما بابًا، فجاء ابنُ أمِّي عليٌّ فتفلَّت١ عليهما بالسيف، فذكرتْ حديثَ الأمان وقولَ النبي ﷺ: «قد أجرنا من أَجَرْتِ يا أمَّ هانئ»٢. وذلك ضحًى بجوف مكة بعد الفتح؛ فإجارتُها له، وإرادةُ عليٍّ قتلَه، وتنفيذُ٣ النبي ﷺ إجارتَها صريح في كونها فُتحت عنوةً.
وأيضًا: فإنه أمر بقتل مِقْيَس بن صُبابة، وابن خَطَل، وجاريتين٤؛ ولو كانت فتحت صلحًا لم يأمر بقتل أحدٍ من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنًى في عقد الصلح.
وأيضًا: ففي «السنن»٥ بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ لما كان يوم فتح مكة قال: «أَمِن الناسُ٦ إلا أربعةَ نفرٍ وامرأتين؛ اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة».
(١) ص، ز، ج، ع: «فتقلب»، تصحيف. والمثبت هو لفظ «المسند»، ومعناه: تعرّض لهما فلتةً وبغتة، ومنه الحديث المشهور عند البخاري (٤٦١) وغيره: «إن عِفريتًا من الجنّ تفلَّت عليّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي ...».
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٩٠٦) ــ واللفظ له ــ وإسحاق بن راهويه (٢١١٤) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٣١) بإسناد صحيح.
(٣) المطبوع: «وإمضاء» خلافًا للأصول.
(٤) سيأتي تخريجه في موضعه (ص ٥٠٢).
(٥) لأبي داود (٢٦٨٣) والنسائي (٤٠٦٧)، وأخرجه أيضًا الحاكم (٢/ ٥٤) والضياء في «المختارة» (٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠) من حديث سعد بن أبي وقاص بنحوه.
(٦) كذا في الأصول. ولفظ الحديث في المصادر: عن سعدٍ قال: لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسولُ الله ﷺ الناسَ إلا أربعةَ نفرٍ وامرأتين، وقال: «اقتلوهم ...» إلخ.
فصل
ومنع ﷺ من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم، وقال: «أنا بريء مِن كلِّ مُسلم يقيم بين أظهر المشركين». قيل: يا رسول الله! ولم؟ قال: «لا تَرايا ناراهُما»١.
وقال: «من جامع المشركَ وسكن معه فهو مثله»٢.
وقال: «لا تنقطعُ الهجرة حتى تنقطعَ التوبة، ولا تنقطعُ التوبة حتى تَطلُعَ الشمسُ من مغربها»٣.
(١) أخرجه أبوداود (٢٦٤٥) والترمذي (١٦٠٤) وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله مرفوعًا. وأخرجه الشافعي في «الأم» (٧/ ٨٩) وابن أبي شيبة (٣٣٥٤١) والترمذي (١٦٠٥) والنسائي (٤٧٨٠) عن قيس بن أبي حازم عن النبي ﷺ مرسلًا. قال الترمذي: «هذا أصح» أي المرسل، ونقل عن شيخه الإمام البخاري أنه قال: الصحيح حديث قيس عن النبي ﷺ مرسل. وقال الدارقطني في «العلل» (٣٣٥٥): هو الصواب.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) والطبراني في «الكبير» (٧٠٢٣) من حديث سمرة بن جندب. وإسناده ضعيف، فيه ثلاثة رواة مجاهيل لم يوثِّقهم إمام معتبر. وله شاهد بإسناد صحيح عن الحسن البصري مرسلًا عند ابن المنذر في «الأوسط» (٦/ ٤٠٥). وروي عن الحسن عن سمرة مسندًا عند الحاكم (٢/ ١٤٢) وغيره، لكن إسناده واهٍ بمرَّة.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٩٠٦) وأبو داود (٢٤٧٩) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٥٨) والدارمي (٢٥٥٥) من حديث معاوية بإسناد لا بأس به في المتابعات والشواهد. وله شاهد حسن في «مسند أحمد» (١٦٧١) من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو، ثلاثتهم عن النبي ﷺ بنحوه.