وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية١ بغزو نصارى المشرق٢ لما أعانوا عدوَّ المسلمين على قتالهم وأمدوهم بالمال والسلاح وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريش عهد النبي ﷺ بإعانتهم بني٣ بكر بن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهلُ الذمة المشركين على حرب المسلمين؟!
فصل
وكانت تَقْدَم٤ عليه رسلُ أعدائه وهم على عداوته فلا يهيجهم ولا يقتلهم. ولما قدم٥ عليه رسولا مسيلمةَ الكذاب ــ وهما: عبد الله بن النواحة، وابن أثال ــ قال لهما: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله ﷺ: «واللهِ لولا أن الرسل لا تُقتل لضربتُ أعناقكما»٦، فجرت سنته أن لا يُقتل رسول.
وكان هديه أيضًا أن لا يحبسَ الرسولَ عنده إذا اختار دينه ويمنعَه٧ من اللَّحاق بقومه، بل يردُّه إليهم كما قال أبو رافع: بعثتني قريش إلى النبي ﷺ،
(١) «ابن تيمية» ليس في م، ق، ب، ث.
(٢) ز، ع: «الشرق».
(٣) «بني» من ص، ج. وليس في سائر الأصول.
(٤) ص، ز، ع: «كان يقدَم».
(٥) ص، ز، ج، ن: «قدما»
(٦) حديث صحيح، سيأتي تخريجه (ص ٧٧٠).
(٧) كذا في الأصول عطفًا على «يحبس». وفي ج زيدت «لا» فوق السطر بين واو العطف و«يمنعه». وفي المطبوع: «فلا يمنعه».
فلمَّا أتيتُه وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم، قال: «إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البُرُد، ارجِعْ إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجِعْ»١.
قال أبو داود: كان هذا في المدة التي شرط لهم النبي ﷺ أن يردَّ إليهم مَن جاءَه منهم وإن كان مسلمًا، وأما اليوم فلا يصلح هذا. انتهى.
وفي قوله: «لا أحبس البُرُد» إشعار بأنَّ هذا حكم يختصُّ بالرسل مطلقًا، وأما ردُّه مَن جاء إليه منهم وإن كان مسلمًا، فهذا إنما يكون مع الشرط كما قال أبو داود، وأما الرسل فلهم حكم آخر، ألا تراه لم يتعرض لرسولَي مسيلمة وقد قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله.
وكان من هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدًا من أصحابه على عهدٍ لا يضرُّ بالمسلمين بغير رضاه أمضاه لهم، كما عاهدوا حذيفةَ وأباه أن لا يقاتلاهم٢ معه ﷺ، فأمضى لهم ذلك وقال لهما: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم ونستعين اللهَ عليهم»٣.
فصل
وصالح قريشًا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين على أن من جاءه منهم مسلمًا ردَّه إليهم، ومن جاءهم٤ من عنده لا يردُّونه إليه، وكان
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٥٨) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٢١) وابن حبان (٤٨٧٧) والحاكم (٣/ ٥٩٨) بإسناد صحيح.