وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وخُلِقت لأجلها جميعُ المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه. ولأجلها نُصِبت الموازين، ووُضِعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار. وبها تقسَّمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار. فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحقُّ الذي خُلِقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب. وعليها نُصِبت القبلة، وعليها أُسِّست الملَّة، ولأجلها جُرِّدت سيوفُ الجهاد، وهي حقُّ الله على جميع العباد، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام.
وعنها يُسأل الأولون والآخرون، فلا تزول١ قدما العبد بين يدي الله تعالى حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟٢ فجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفةً وإقرارًا وعملًا. وجواب الثانية بتحقيق أن محمدًا رسول الله معرفةً وإقرارًا وانقيادًا وطاعةً.
فأشهد٣ أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخِيرته من خلقه،
(١) ق: «ولا تزول».
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٤/ ١٤١) عن أبي العالية بلفظ: «يُسأل العبادُ كلُّهم عن خَلَّتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا المرسلين»، وعن أبي العالية نقله المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٦٤٤) و«مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).
(٣) أدخل الفاء لكونه مرتَّبًا على جواب المسألة الثانية. وفي مب، ن: «وأشهد».
وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم والمنهج المستقيم. أرسله الله رحمةً للعالمين، وإمامًا١ للمتقين، وحجَّةً على الخلائق أجمعين. أرسله على حين فترة٢ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل. وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه، وسدَّ دون جنته الطرق، فلم يفتح٣ لأحد إلا من طريقه. فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وِزره، وجعل الذلَّة والصَّغار على من خالف أمره.
ففي «المسند»٤ من حديث٥ عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحدَه لا شريك له. وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رمحي. وجُعِل الذلَّة والصَّغار على مَن خالف أمري.
(١) من هنا بداية النسخة الكتانية (ك).
(٢) ك: «على فترة».
(٣) مب: «تفتح».
(٤) برقم (٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧). وأخرجه أبو داود مختصرًا (٤٠٣١). وعلَّق البخاري بعضه قبل الحديث (٢٩١٤) بصيغة التمريض. انظر: «تغليق التعليق» (٣/ ٤٤٥، ٤٤٦). ومدار الحديث على عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو مختلف فيه، قال يعقوب بن شيبة: «اختلف أصحابنا فيه، فأما يحيى بن معين فكان يضعِّفه، وأما علي ابن المديني فكان حسَن الرأي فيه، وكان ابن ثوبان رجل صدق». وعليه فالإسناد محتمل للتحسين وقد حسّن الحديث ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٦٩) وذكر أن أحمد وغيره احتج به، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٥٠٩)، والحافظ في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٢)، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١٢٦٩). وله شواهد، لكنها ضعيفة أو مرسلة. وانظر: «أنيس الساري» (٧/ ٤٩٧٨ - ٤٩٨١).
(٥) بعده في ن: «أبي منيب الجرشي عن»، وكذا في النسخ المطبوعة.