لنتخذها سمرًا، بل لنعتبر بها في الأحكام؛ بل الحكم بالقسامة١ وتقديم أيمان مدَّعِي القتل هو من هذا استنادًا إلى القرائن الظاهرة، بل ومن هذا رجم الملاعنة إذا التعن الزوج ونكلت عن الالتعان، فالشافعي ومالك يقتلانها بمجرد التعان الزوج ونكولها استنادًا إلى اللوث الظاهر الذي حصل بالتعانه ونُكولها٢.
ومن هذا ما شرعه الله سبحانه لنا من قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر وأن أولياء٣ الميت إذا اطلعا٤ على خيانة من الوصيَّين جاز لهما أن يحلفا ويستحِقَّا ما حلفا عليه، وهذا لَوث في الأموال، وهو نظير اللوث في الدماء وأولى بالجواز منه.
وعلى هذا إذا اطَّلَع الرجلُ المسروقُ مالُه على بعضه في يد خائنٍ معروف بذلك، ولم يتبيَّن أنه اشتراه من غيره، جاز له أن يحلف أن بقية ماله عنده، وأنه صاحب السرقة استنادًا إلى اللوث الظاهر والقرائنِ التي تكشف الأمر وتوضحه. وهو نظير حلف أولياء المقتول في القسامة أنَّ فلانًا قتله سواءً، بل أمر الأموال أسهل وأخفُّ، ولذلك تثبت بشاهد ويمين، وشاهدٍ وامرأتين، ودعوى ونكولٍ؛ بخلاف الدماء. فإذا جاز إثباتها باللوث فإثبات الأموال به بطريق الأولى والأحرى.
والقرآن والسنة يدلان على هذا وهذا، وليس مع من ادعى نسخَ ما دلَّ عليه القرآن من ذلك حجَّةٌ أصلًا، فإن هذا الحكم في سورة المائدة وهي مِن
(١) م، ق، ب، ث: «في القسامة».
(٢) انظر: «الأم» (٦/ ٧٣٥) و«المدونة» (٦/ ١١٢).
(٣) كذا في الأصول، وفي المطبوع: «ولِيَّي» بالتثنية ليوافق الضمائر الآتية بعدُ.
(٤) ص، ز، ث: «اطلعوا».
آخر ما نزل من القرآن، وقد حكم بموجَبِها أصحابُ رسول الله ﷺ بعده كأبي موسى الأشعري١ وأقرَّه الصحابة.
ومن هذا أيضًا ما حكاه٢ الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينةِ قدِّ القميص من دُبُرٍ على صدقه وكذبِ المرأة وأنه كان هاربًا مولِّيًا فأدركته المرأة من ورائه فجبذته فقدَّت قميصَه من دبر، فعَلِمَ بعلُها والحاضرون صِدْقَه وقَبِلوا هذا الحكم، وجعلوا الذنبَ لها وأمروها بالتوبة؛ وحكاه الله سبحانه حكاية مُقرِّرٍ له غيرَ منكرٍ.
والتأسي بهذا٣ وأمثاله في إقرار الله له وعدمِ إنكاره، لا في مجرد حكايته، فإنه إذا أخبر به مُقِرًّا٤ عليه أو مُثْنيًا على فاعله مادحًا له دلَّ على رضاه به وأنه موافِقٌ لحكمه ومرضاته، فليُتدبَّرْ هذا الموضع فإنه نافع جدًّا. ولو تتبَّعنا ما في القرآن والسنة وعملِ رسول الله ﷺ وأصحابه من ذلك لطال، وعسى أن نُفرد فيه مصنفًا شافيًا إن شاء الله٥.
والمقصود: التنبيه على هديه واقتباس الأحكام من سيرته ومغازيه ووقائعه صلوات الله وسلامه عليه.
ولمَّا أقرَّهم في الأرض كان يبعث كل عام مَن يخرص عليهم الثمار
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٠٥) والطبري (٩/ ٧٧، ٧٨) والدارقطني (٤٣٤١) والحاكم (٢/ ٣١٤) من طريقين عن أبي موسى. وصححه الحافظ في «الفتح» (٥/ ٤١٢).
(٢) م، ق، ب، ث: «حكى».
(٣) ج، ن: «بذلك».
(٤) ص، ج، ن: «مقرِّرًا»
(٥) ولعله: «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، وهو مطبوع.