زاد المعاد

آخر ما نزل من القرآن، وقد حكم بموجَبِها أصحابُ رسول الله ﷺ بعده كأبي موسى الأشعري١ وأقرَّه الصحابة.

ومن هذا أيضًا ما حكاه٢ الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينةِ قدِّ القميص من دُبُرٍ على صدقه وكذبِ المرأة وأنه كان هاربًا مولِّيًا فأدركته المرأة من ورائه فجبذته فقدَّت قميصَه من دبر، فعَلِمَ بعلُها والحاضرون صِدْقَه وقَبِلوا هذا الحكم، وجعلوا الذنبَ لها وأمروها بالتوبة؛ وحكاه الله سبحانه حكاية مُقرِّرٍ له غيرَ منكرٍ.

والتأسي بهذا٣ وأمثاله في إقرار الله له وعدمِ إنكاره، لا في مجرد حكايته، فإنه إذا أخبر به مُقِرًّا٤ عليه أو مُثْنيًا على فاعله مادحًا له دلَّ على رضاه به وأنه موافِقٌ لحكمه ومرضاته، فليُتدبَّرْ هذا الموضع فإنه نافع جدًّا. ولو تتبَّعنا ما في القرآن والسنة وعملِ رسول الله ﷺ وأصحابه من ذلك لطال، وعسى أن نُفرد فيه مصنفًا شافيًا إن شاء الله٥.

والمقصود: التنبيه على هديه واقتباس الأحكام من سيرته ومغازيه ووقائعه صلوات الله وسلامه عليه.

ولمَّا أقرَّهم في الأرض كان يبعث كل عام مَن يخرص عليهم الثمار

  1. (١) أخرجه أبو داود (٣٦٠٥) والطبري (٩/ ٧٧، ٧٨) والدارقطني (٤٣٤١) والحاكم (٢/ ٣١٤) من طريقين عن أبي موسى. وصححه الحافظ في «الفتح» (٥/ ٤١٢).
  2. (٢) م، ق، ب، ث: «حكى».
  3. (٣) ج، ن: «بذلك».
  4. (٤) ص، ج، ن: «مقرِّرًا»
  5. (٥) ولعله: «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، وهو مطبوع.
175

فينظر: كم يجيءُ منها، فيضمِّنهم نصيبَ المسلمين ويتصرفون١ فيها، وكان يكتفي بخارص واحد.

ففي هذا دليل على جواز خرص الثَّمَر البادي كثمر النخل، وعلى جواز قسمة الثمار خرصًا على رؤوس النخل ويصير نصيبُ أحد الشريكين معلومًا وإن لم يتميز بعدُ لمصلحة النماء٢، وعلى أن القسمة إفراز٣ لا بيع، وعلى جواز الاكتفاء بخارصٍ واحد وقاسم واحد، وعلى أن لِمن الثمار في يديه أن يتصرف فيها بعد الخرص ويَضْمنَ نصيبَ شريكه الذي خرص عليه.

فلما كان في زمن عمر ذهب عبدُ الله ابنُه إلى ماله بخيبر، فعَدَوا عليه وألقَوه من فوق بيتٍ ففكُّوا يده، فأجلاهم عمر منها إلى الشام، وقسمها بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية٤.

فصل

وأما هديه في عقد الذمة وأهلِ الجزية، فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزيةً إلا بعد نزول (براءة) في السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس، وأخذها من أهل الكتاب، فأخذها من النصارى، وبعث معاذًا إلى اليمن فعقد لمن لم يُسْلِم مِن يهودها الذمةَ وضرب عليهم الجزية.

  1. (١) م، ق، ب، ث، ج: «ويتصرّفوا».
  2. (٢) م، ق، ب: «الثمار»، تحريف، والراء فيها محرّفة عن واو العطف الآتية، ولذا سقطت من هذه الأصول.
  3. (٣) م، ب، ع: «إقرار»، تصحيف. والإفراز: أي فرز نصيب كلِّ شريكٍ وعزلُه ومَيزُه عن نصيب غيره.
  4. (٤) أخرجه أحمد (٩٠) والبخاري (٢٧٣٠) من حديث نافع عن ابن عمر. وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٥٧).
176

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي